وكالات - واصلت شحنات النفط الخام الروسي المنقولة بحراً تراجعها الحاد، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ أواخر أبريل، في ظل تصاعد الهجمات بطائرات مسيّرة في البحر الأسود والتهديدات بشن مزيد من الضربات على الموانئ والسفن المستخدمة في تصدير الخام.
وتفاقم الانخفاض خلال الأسبوع الماضي بعدما لم تُحمّل أي شحنة نفط خام من ميناء نوفوروسيسك الروسي الرئيسي على البحر الأسود، لتتراجع الشحنات للأسبوع الخامس على التوالي، في أطول وأكبر موجة هبوط مماثلة منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا.
وبحسب بيانات حركة الناقلات التي جمعتها «بلومبرغ»، بلغ متوسط صادرات النفط الخام الروسي المنقولة بحراً 3.58 مليون برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 16 أغسطس، مقارنة بمستويات أعلى سجلتها الصادرات في وقت سابق من العام.
هجمات البحر الأسود تضغط على الصادرات الروسية
كانت الصادرات الروسية قد استفادت في وقت سابق من زيادة الخام المتاح للتصدير، بعد تضرر عدد من المصافي الروسية جراء الهجمات الأوكرانية، ما أدى إلى تحويل جزء من النفط الذي كان سيُستخدم محلياً للتكرير إلى الأسواق الخارجية.
لكن هذه الزيادة بدأت تتلاشى مع تجدد الهجمات على منشآت الطاقة الروسية، بالتزامن مع استهداف السفن والموانئ المستخدمة لنقل الخام.
وأظهرت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية يوم الاثنين أن ناقلة كانت راسية في محطة شيشكاريس النفطية بميناء نوفوروسيسك عندما تعرضت لهجوم يوم الأربعاء، لا تزال موجودة عند الرصيف، رغم إعادة تشغيل أرصفة أخرى في الميناء خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتشير هذه التطورات إلى أن قدرة روسيا على مواصلة تصدير الخام عبر البحر الأسود أصبحت أكثر عرضة للاضطرابات المرتبطة بالهجمات العسكرية والأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية البحرية.
إنتاج النفط الروسي عند أدنى مستوى في 6 سنوات
لم تقتصر الضغوط على صادرات الخام، إذ تراجع إنتاج روسيا من النفط إلى 8.89 مليون برميل يومياً خلال الشهر الماضي، وفق تقديرات المصادر الثانوية التي نشرتها منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك».
ويمثل هذا المستوى أدنى إنتاج روسي للنفط منذ نحو ست سنوات، كما يقل بنحو مليون برميل يومياً عن مستوى الإنتاج المسموح به لموسكو بموجب الاتفاق الممتد مع شركائها في تحالف «أوبك+».
ويعكس انخفاض الإنتاج وتراجع الصادرات في الوقت نفسه تأثير الضربات التي تستهدف قطاع الطاقة الروسي، إلى جانب التحديات التشغيلية والقيود المرتبطة بالعقوبات والنشاط العسكري.
شحنات الخام تتراجع خلال أسبوع
خلال الأسبوع المنتهي في 16 أغسطس، جرى تحميل نحو 22.38 مليون برميل من الخام الروسي على متن 31 ناقلة تقريباً، مقارنة بنحو 23.78 مليون برميل على متن 33 سفينة في الأسبوع السابق، وفق بيانات تتبع السفن وتقارير وكلاء الموانئ.
ولم يسجل ميناء نوفوروسيسك أي عمليات تحميل خلال الأسبوع، بينما اقتربت عمليات التحميل في ميناء أوست-لوغا على بحر البلطيق من مستوياتها المعتادة.
كما لم تُسجل أي عمليات تحميل لخام «كيبيكو» الكازاخستاني في أي من ميناءي أوست-لوغا ونوفوروسيسك.
وتتسم بيانات الشحن الأسبوعية عادةً بدرجة من التقلب، إذ تتأثر بعوامل تشمل الأحوال الجوية وأعمال الصيانة والعقوبات والنشاط العسكري ومواعيد مغادرة الناقلات.
انخفاض النفط الروسي الموجود في البحر
تراجع حجم النفط الخام الروسي الموجود على متن السفن في البحر خلال الأسبوع المنتهي في 16 أغسطس إلى نحو 94 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر.
ويرتبط الانخفاض بصورة رئيسية بتراجع عمليات الشحن، بالتزامن مع استمرار تسليم الخام بوتيرة مرتفعة إلى الأسواق الآسيوية.
وظلت الإمدادات المتجهة إلى الهند قريبة من مستوياتها القياسية المسجلة في يونيو، عندما بلغت نحو 2.4 مليون برميل يومياً.
وفي البحر المتوسط، ظلت أربع شحنات من خام «الأورال» راسية قبالة ميناء مرسى الحمراء في مصر، مع ارتفاع فترة الانتظار قبل التفريغ إلى نحو شهر ونصف، مقارنة بأقل من أسبوع في بداية العام.
ويشير طول فترات الانتظار إلى تعقيدات متزايدة في عمليات استقبال وتفريغ بعض شحنات الخام الروسي، رغم استمرار تدفق النفط إلى الأسواق المستوردة.
عمليات نقل في البحر وصعوبة تتبع الشحنات
تُنقل غالبية الشحنات التي تُحمّل في ميناء مورمانسك إلى سفن أخرى في أرخبيل رياو شرق سنغافورة، بعد بقائها راسية لأسابيع في بعض الحالات.
وتزداد صعوبة تتبع بعض هذه الشحنات نتيجة إخفاء إحدى السفن المشاركة في عملية النقل أو كلتيهما موقعيهما، ما يقلل من وضوح مسار النفط الروسي بعد مغادرته الموانئ.
كما قد تنتظر شحنات خامي «سوكول» و«سخالين» من الشرق الأقصى الروسي أسابيع قبل نقلها من ناقلات مكوكية إلى سفن عابرة للمحيطات.
وتتوقف بعض شحنات خام «إسبو» أيضاً لأسابيع قرب ميناء كوزمينو على المحيط الهادئ بعد تحميلها.
قيمة صادرات النفط الروسي مستقرة نسبياً
رغم تراجع أحجام الصادرات، لم تشهد القيمة الإجمالية لصادرات النفط الروسية تغيراً كبيراً على أساس متوسط أربعة أسابيع.
وبلغت قيمة الصادرات نحو 1.71 مليار دولار أسبوعياً خلال الأيام الـ28 المنتهية في 16 أغسطس، بانخفاض 10 ملايين دولار أسبوعياً فقط عن الفترة السابقة.
وساعد ارتفاع أسعار الخام الروسي على تعويض جزء كبير من أثر انخفاض التدفقات.
وارتفع متوسط سعر خام «الأورال» بنحو 3 دولارات للبرميل، ليصل إلى أعلى مستوى في ثمانية أسابيع وفق متوسط أربعة أسابيع.
كما ارتفع سعر خام الأورال المحمل من موانئ بحر البلطيق بنحو 3.3 دولار إلى 67.08 دولار للبرميل، بينما صعد سعره في البحر الأسود 3.2 دولار إلى 65.85 دولار.
وارتفع متوسط سعر خام «إسبو» القادم من المحيط الهادئ بنحو 0.8 دولار إلى 70.45 دولار للبرميل.
أما أسعار الخام الروسي المسلّم إلى الهند، فارتفعت للأسبوع الرابع على التوالي، بزيادة 5 دولارات إلى 88.34 دولار للبرميل، وفق بيانات «أرغوس ميديا».
وعلى أساس أسبوعي، انخفضت قيمة صادرات الخام الروسي بنحو 10 ملايين دولار، لتصل إلى 1.54 مليار دولار خلال الأيام السبعة المنتهية في 16 أغسطس، في ثالث انخفاض أسبوعي متتالٍ، بعدما فاق تأثير تراجع الكميات أثر ارتفاع الأسعار.
الهند والصين تستقبلان الجزء الأكبر من التدفقات
تراجعت الشحنات المرصودة المتجهة إلى العملاء الروس في آسيا، بما في ذلك الشحنات التي لم تُحدد وجهتها النهائية، إلى 3.43 مليون برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 16 أغسطس، مقابل 3.54 مليون برميل يومياً في الفترة السابقة بعد التعديل.
وبلغت التدفقات على الناقلات التي تظهر الموانئ الصينية وجهة لها نحو 1.22 مليون برميل يومياً، انخفاضاً من 1.3 مليون برميل يومياً.
وفي المقابل، بلغت الكميات على السفن المتجهة إلى الهند نحو 670 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ1.11 مليون برميل يومياً في الفترة السابقة.
ومن المرجح أن تخضع بيانات الشحنات المتجهة إلى الهند لتعديلات صعودية، مع وصول مزيد من الناقلات التي حُملت حديثاً إلى وجهاتها النهائية.
شحنات كبيرة لم تحدد وجهتها النهائية
لا تزال ناقلات تحمل ما يعادل نحو 1.54 مليون برميل يومياً من الخام الروسي من دون وجهة نهائية محددة.
وتشمل هذه الكميات نحو 1.3 مليون برميل يومياً على سفن قادمة من الموانئ الروسية الغربية وتظهر وجهات مثل سنغافورة أو بورسعيد أو قناة السويس، إضافة إلى ناقلات قادمة من موانئ المحيط الهادئ من دون نقطة تسليم واضحة.
ويستخدم بعض الناقلات وجهات مؤقتة مثل السويس أو بورتسودان، قبل مواصلة رحلاتها عبر بحر العرب، بينما لا تكشف ناقلات أخرى عن وجهتها النهائية حتى بعد رسوها وتفريغ حمولتها.
وتراجع متوسط التدفقات إلى تركيا إلى نحو 80 ألف برميل يومياً خلال الفترة المنتهية في 16 أغسطس، مقارنة بـ180 ألف برميل يومياً في الفترة المنتهية في 26 يوليو.
واستقر متوسط التدفقات إلى سوريا عند نحو 40 ألف برميل يومياً، مع احتمال تعديل هذه الأرقام لاحقاً بعد اتضاح وجهات السفن.
كما بلغ متوسط الشحنات المتجهة إلى مصر نحو 30 ألف برميل يومياً خلال فترة الأسابيع الأربعة، أي ما يعادل نصف المستوى المسجل في الفترة السابقة.
وتشير مجمل البيانات إلى أن صادرات النفط الروسي لا تزال كبيرة على المستوى العالمي، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة من الهجمات على الموانئ والسفن، وتراجع الإنتاج، وتعقيدات النقل وإعادة الشحن، ما قد يضيف مزيداً من التقلبات إلى أسواق النفط العالمية خلال الفترة المقبلة.







