طلال عوكل - مصدر الإخبارية
ما يبدو على أنه هدوء في المنطقة، حيث توقفت جولات القصف المتبادل، قد لا يكون أكثر من استراحة محارب في انتظار ما تسفر عنه الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي قبل نهاية العام. وبينما تتباعد المسافة الزمنية بين تهديدات الرئيس ترمب، الذي يصر على أنه سيأمر بتوجيه ضربات قاسية ومدمّرة لإيران ما لم توافق على فتح جبهة مضيق هرمز، وتتسلم مفاتيح برنامجها النووي، يستمر العناد الإيراني في ظل استمرار المفاوضات مع عُمان حول آلية التعامل مع حركة السفن عبر المضيق.
تتصرف إيران وكأنها صاحبة اليد العليا في الميدان، وفيما يخص المضيق تتمسك بستة شروط، في حال قبولها من الجانب الأميركي، فإن ذلك سيكون إعلانًا صريحًا بأنها المنتصر، الذي نجح في إفشال أهداف الحرب الأميركية والإسرائيلية عليها، والتي حققت أهدافها. غير أن هذه اللهجة الانتصارية المرتفعة في الخطاب الإيراني قد لا تكون تعبيرًا عن جهل لدى القيادة الإيرانية بطبيعة الرئيس الأميركي، الذي لا يقبل بأي حال هزيمة الدولة الأعظم على وجه الأرض حتى الآن. التشدد الزائد قد ينطوي على استعداد أعلى لتقديم التنازلات، وبأقل قدر من الانتقادات المتوقعة، حين يكون المصدر هو الجناح المتشدد في القيادة الإيرانية. إذا كانت إيران قد أقامت حسبتها على تأثيرات الحرب على الداخل الأميركي، فإن الداخل الإيراني أيضًا يعاني أشد المعاناة جراء الخسائر الهائلة التي يتكبدها الاقتصاد في ظل الحصار الخانق والعقوبات التي تضاعف حجم المعاناة.
الحصار هو العنوان الرئيسي للحرب، إلى حين، ومهما قيل عن أزمة الذخائر التي تعاني منها القوات الأميركية في المنطقة، فإن الولايات المتحدة تملك ترسانة هائلة من الأسلحة والذخائر التي تمكنها من إلحاق دمار كبير بإيران، خصوصًا بعد أن أعادت القوات الأميركية تموضعها في منطقة الخليج.
لم يهتم كثيرًا الرئيس ترمب بمطالب ومصالح دول الخليج التي تفضل خفض التصعيد وسلوك المسار الدبلوماسي، إذا كانت تلك المطالب والمصالح ستضع الولايات المتحدة في موقع المهزوم والمستسلم أمام إيران.
حتى في حال تغيرت موازين القوى لصالح الحزب الديمقراطي بعد الانتخابات النصفية، فإن الديمقراطيين لن يقبلوا بالهزيمة، وهم حين يطالبون بوقف الحرب ودعم معالجة الملف من خلال المفاوضات، فإنهم يستخدمون ذلك كخطاب انتخابي للتأثير على الناخب الأميركي، ولا يمكنهم تحمل المسؤولية عن هزيمة الولايات المتحدة. الوقت يمر بسرعة، ولكنه ثقيل على الطرفين الأميركي والإيراني، بل وعلى إسرائيل ودول المنطقة، التي تعاني جميعها جراء استمرار الصراع وإن بوسائل غير حربية، فضلًا عن تأثير إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي.
الهدوء الكاذب لا يتوقف على جبهة الخليج، وإنما يمتد إلى لبنان، حيث تمارس الإدارة الأميركية الضغط على نتنياهو وحكومته من أجل الالتزام بمسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية، وإنجاح تجربة المناطق التي يفترض أن تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني كبداية لتجربة يمكن أن تتكرر في مناطق أخرى. حين يعلن وزير الحرب الإسرائيلي من جنوب لبنان أن الجيش الإسرائيلي لن يسحب من المناطق التي سيطر عليها، يرد عليه مسؤول أميركي بضرورة الالتزام باتفاق الإطار، وبأن الولايات المتحدة ملتزمة بضمان سيادة لبنان على أرضه.
وعلى جبهة غزة، يبدو أن نتنياهو مضطر لمسايرة الموقف الأميركي، الذي رحب بخارطة الطريق، إذ يعلن لناخبيه أنه يرفض تلك الخارطة، بينما على الأرض ثمة خفض ملحوظ للقصف وعمليات اغتيال. الإدارة الأميركية تدعم مخطط تحفيز الوكلاء في المنطقة للتخلص من أسلحة من تعتبرها أذرع طهران، سواء في العراق أو لبنان أو غزة، وهي إن لم تنجح في ذلك، فإنها تكون قد خلقت أسبابًا لصراعات داخلية تضعف الجميع.
نتنياهو الذي يواجه احتمالات الفشل في الانتخابات العامة المقبلة في شهر أكتوبر، ما يزال يراوغ، وينقل شغفه باستمرار الحرب إلى الضفة الغربية التي تشهد تصعيدًا خطيرًا، بسبب السياسة الرسمية الإسرائيلية التي تستعجل فرض وقائع السيادة والسيطرة على الأرض. إسرائيل نقلت المسؤولية عن الضفة الغربية من الجيش إلى إدارة مدنية، ومنحت الشرطة المسؤولية عن التعامل مع الفلسطينيين، أي لصالح بن غفير الذي يدعم الميليشيات الاستيطانية المسلحة والاستيطان، ولكن من دون إبعاد الجيش، الذي يبقى صاحب الدور الحاسم في تنفيذ مخطط بسط السيطرة على الضفة والقدس، والإنهاء التدريجي لدور السلطة الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين.
هو الهدوء الذي يسبق العواصف التي قد تهب على المنطقة من جديد مع نهاية هذا العام ومطلع العام المقبل. صدق من قال: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم».







