ترجمات - واشنطن أمام اختبار دبلوماسي في أوكرانيا: دعوات لإعادة بناء مسار التفاوض على أسس أكثر صرامة
تواجه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا في مساعيها الدبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، رغم تكثيف الاتصالات والمفاوضات منذ مطلع عام 2025، والتي شملت لقاءات في عدد من العواصم والمدن، بينها أبو ظبي وبرلين وجنيف وإسطنبول وباريس والرياض، إلى جانب اتصالات ومبعوثين تنقلوا بين موسكو وميامي.
وبحسب تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز، فإن كثافة النشاط الدبلوماسي لا تعني بالضرورة وجود استراتيجية تفاوضية متماسكة، وهو ما تعكسه الضربات الجوية المكثفة التي شهدتها روسيا وأوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة، في وقت لم تنجح فيه الجهود حتى الآن في وضع الطرفين على مسار ثابت نحو إنهاء الحرب.
ويرى التحليل أن الاستفادة من خبرات عقود من الوساطة الدولية يمكن أن تساعد واشنطن في إعادة تصميم العملية التفاوضية، خصوصًا أن نجاح مفاوضات السلام لا يعتمد فقط على استعداد الأطراف للتوصل إلى اتفاق، وإنما أيضًا على طريقة تنظيم المحادثات، وشعور المشاركين بالمسؤولية تجاه العملية، واتفاقهم على قواعدها، إضافة إلى بناء قنوات اتصال شخصية ومستقرة بين المفاوضين.
بوتين تحت ضغوط متزايدة
وتبدو المهمة أكثر تعقيدًا في ظل عدم وضوح استعداد موسكو للدخول في مفاوضات جادة. فرغم إعلان كييف استعدادها لوقف إطلاق النار والتفاوض، فإن التصريحات الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب استمرار الهجمات على المدن الأوكرانية، لا تشير إلى استعداد روسي واضح لتغيير النهج العسكري.
في المقابل، تواجه روسيا ضغوطًا عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة. ويشير التحليل إلى أن تقدم القوات الروسية في يونيو/حزيران 2026 انخفض إلى أقل من نصف ميل مربع يوميًا، أي بأكثر من 90% مقارنة بمعدل التقدم المسجل في الشهر ذاته من عام 2025.
كما تتزايد فعالية الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى، والتي تستهدف قطاع الطاقة والبنية التحتية اللوجستية الروسية، وتؤثر في إيرادات الدولة والحياة اليومية في عدد من المدن الكبرى.
وتتزامن هذه الضغوط مع اقتراب انتخابات مجلس الدوما الروسي في سبتمبر/أيلول، الأمر الذي قد يجعل تحقيق الكرملين نتيجة سياسية قوية أكثر تعقيدًا، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن الرئيس الروسي سيختار التفاوض بدلًا من مواصلة الحرب.
ويرى التحليل أن هذه الظروف تجعل من الضروري اختبار مدى استعداد موسكو للانخراط في مسار تفاوضي جاد بدل افتراض رفضها مسبقًا.
واشنطن بحاجة إلى شركاء
ويُعد غياب إطار وساطة متعدد الأطراف من أبرز نقاط الضعف في المسار الحالي، وفق التحليل.
ففي عدد من النزاعات السابقة، لعبت مجموعة من الدول والمنظمات أدوارًا مساندة للوسيط الرئيسي. ففي مفاوضات البوسنة التي قادت إلى اتفاق السلام عام 1995، دعمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والمملكة المتحدة الجهود التي قادتها الولايات المتحدة.
وفي كولومبيا، شاركت تشيلي وكوبا والنرويج وفنزويلا في دعم المفاوضات التي أفضت عام 2016 إلى إنهاء حرب استمرت عقودًا بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية الكولومبية.
أما في الملف الأوكراني، فقد تحركت واشنطن إلى حد كبير بصورة منفردة، رغم مشاركة الأوروبيين وتركيا وشركاء من منطقة الخليج في بعض مراحل العملية.
ويقترح التحليل إشراك الحكومات الأوروبية بصورة أكثر مباشرة، باعتبارها أطرافًا رئيسية في مستقبل أوكرانيا وأمن القارة الأوروبية، وإنشاء مجموعة اتصال تتولى فيها الدول الأوروبية الرئيسية أدوارًا محددة بدل الاكتفاء بدور المراقب.
ومن شأن هذا النموذج، بحسب الطرح، أن يعزز التنسيق الدبلوماسي ويوفر موارد وخبرات إضافية ويدعم أي اتفاق سياسي يتم التوصل إليه.
الاتفاق على قواعد التفاوض قبل القضايا الخلافية
ويشدد التحليل على أن نجاح العملية يتطلب اتفاق الأطراف مسبقًا على شكل المفاوضات وقواعدها.
وتشير تجارب سابقة إلى أن المحادثات الأكثر استقرارًا هي تلك التي تلتزم فيها الأطراف بعملية واضحة، حتى عندما تواجه انتكاسات أو محاولات لتعطيلها.
وتقدم مفاوضات أيرلندا الشمالية في تسعينيات القرن الماضي مثالًا على ذلك، إذ تمكنت الأطراف من مواصلة العملية رغم انهيار وقف إطلاق النار والخلافات بشأن التنفيذ ومحاولات الجماعات المعارضة عرقلة المفاوضات.
كما يستشهد التحليل بتجربة كولومبيا، حيث وضع الاتفاق العام لعام 2012 مبادئ توجيهية وجدول أعمال وقواعد أساسية للمفاوضات، ما ساعد لاحقًا على تمهيد الطريق لاتفاق السلام المبرم عام 2016.
وفي الحالة الروسية الأوكرانية، لا يبدو أن هناك حتى الآن جدول أعمال موحدًا متفقًا عليه بين جميع الأطراف، بينما جرت المحادثات في أماكن وفترات مختلفة ومن دون اجتماع شامل يضم موسكو وكييف وواشنطن والدول الأوروبية الرئيسية حول طاولة واحدة.
الحاجة إلى نص تفاوضي موحد
ومن بين المشكلات الأخرى التي يحددها التحليل غياب نص تفاوضي واحد يشكل أساسًا مشتركًا للمحادثات.
فقد ناقشت أطراف مختلفة مسودات منفصلة، بما في ذلك محادثات بين روسيا وأوكرانيا، وأخرى بين روسيا والولايات المتحدة، إلى جانب اتصالات أميركية أو أوروبية مع كييف.
ويرى التحليل أن هذا النهج قد يؤدي إلى إضعاف العملية، خصوصًا إذا اكتشفت الأطراف في مراحل متقدمة أن المقترحات التي تم الاتفاق عليها مع طرف لا تحظى بقبول الأطراف الأخرى.
ويشير إلى أن اتفاقًا إجرائيًا مكتوبًا يمكن أن يحدد وتيرة المحادثات ومكان انعقادها وجدول أعمالها وتسلسل القضايا المطروحة، إضافة إلى قواعد اتخاذ القرارات والسرية والتواصل الإعلامي.
وفي حال أوكرانيا، يمكن أن يشمل جدول الأعمال قضايا السيادة والضمانات الأمنية والقدرات العسكرية وإعادة الإعمار بالنسبة إلى كييف، مقابل قضايا مثل مستقبل عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، والوجود العسكري الغربي والعقوبات بالنسبة إلى موسكو.
الحوار السري وبناء الثقة
ويعتبر التحليل أن بناء الثقة بين المفاوضين لا يتطلب بالضرورة اتفاقات كبيرة في البداية، بل يمكن أن يبدأ من خلال حوار منتظم وسري يسمح للطرفين بفهم حسابات الآخر.
وتقدم مفاوضات أيرلندا الشمالية مثالًا على أهمية الاتصالات غير الرسمية التي سبقت الاختراقات السياسية، في حين يُشار إلى قناة تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا باعتبارها نموذجًا على إمكانية تحقيق نتائج عملية من خلال مسار منخفض الظهور الإعلامي.
كما يمكن للوسطاء توفير فرص للقاءات غير رسمية بين كبار المسؤولين والمفاوضين، بما يساعد على بناء علاقات شخصية يمكن أن تصبح لاحقًا أداة لإدارة الأزمات والخلافات.
التركيز على المصالح بدل المواقف
ويشير التحليل إلى ضرورة تغيير الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع المطالب الروسية والأوكرانية.
فبدل محاولة التوفيق المباشر بين المواقف المعلنة للطرفين، يمكن للوسطاء التركيز على المصالح الأساسية الكامنة وراء تلك المواقف.
ويستشهد التحليل بوساطة وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر بين مصر وإسرائيل بشأن سيناء، عندما جرى تجاوز الخلاف حول السيطرة على الأرض من خلال تحديد المصالح الأساسية لكل طرف؛ فكانت السيادة والفخر الوطني أولوية مصرية، بينما شكل الأمن الأولوية الإسرائيلية.
وبالمثل، يرى التحليل أن الخلاف الروسي الأوكراني بشأن دونباس قد يحتاج إلى معالجة المصالح التي تقف خلف مسألة السيطرة على المنطقة، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف على خطوط السيطرة.
توسيع جدول الأعمال لتسهيل التسويات
كما يدعو التحليل إلى عدم فصل القضايا الرئيسية عن بعضها بصورة صارمة، لأن توسيع جدول الأعمال يمكن أن يخلق مجالًا أكبر للمقايضات.
فقد يقبل أحد الأطراف بتنازل في ملف يعتبره أقل أهمية مقابل مكسب في قضية أكثر أهمية بالنسبة إليه، وهو ما يرفع من قيمة الاتفاق بالنسبة إلى الطرفين ويقلل احتمالات انهيار المفاوضات بسبب قضية واحدة.
ومن هذا المنطلق، يمكن وضع ملفات الأراضي والأمن والعقوبات وإعادة الإعمار والضمانات الأمنية ضمن إطار تفاوضي أوسع، بدل التعامل معها عبر قنوات منفصلة تمامًا.
وقف إطلاق النار كمدخل للمفاوضات
ويرى التحليل أن وقف إطلاق النار يمكن أن يكون عنصرًا أساسيًا في خلق الظروف المناسبة لمفاوضات أكثر جدية.
وتتمثل العقبة الحالية في اختلاف مواقف الطرفين؛ إذ تدعم أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون وقفًا فوريًا لإطلاق النار يتبعه مسار سياسي، بينما ترى موسكو أن استمرار الضغط العسكري يمكن أن يمنحها نفوذًا أكبر قبل التوصل إلى تسوية.
ولردم هذه الفجوة، يقترح التحليل العمل على اتفاق إطاري يتضمن مجموعة محدودة من الالتزامات السياسية والأمنية التي تسمح بوقف القتال، مع تحديد العناصر الرئيسية للتسوية النهائية وهيكل المفاوضات اللاحقة.
وبذلك، يمكن الانتقال من وقف مؤقت للأعمال العدائية إلى محادثات أكثر تفصيلًا بشأن القضايا السياسية والأمنية والإقليمية.
استراتيجية طويلة الأمد
ويخلص التحليل إلى أن إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية سيظل مهمة شديدة الصعوبة، ولا توجد ضمانات بأن إعادة تصميم العملية التفاوضية ستؤدي إلى اتفاق سريع.
لكن استمرار الحرب وتزايد الخسائر البشرية والدمار ومخاطر التصعيد يجعل من الضروري مواصلة البحث عن بدائل دبلوماسية أكثر فاعلية.
ويتمثل المسار المقترح في تشكيل فريق وساطة متخصص، وإشراك الحكومات الأوروبية في العملية، والاتفاق مسبقًا على قواعد المحادثات وجدول أعمالها، وتعزيز الحوار السري بين موسكو وكييف، ومساعدة الطرفين على صياغة مقترحاتهما بدل فرض حلول جاهزة عليهما.
كما يتطلب الأمر التركيز على المصالح الأساسية للطرفين، وتوسيع نطاق القضايا المطروحة على الطاولة، والسعي إلى اتفاق إطاري يسمح بوقف القتال ويمهد لمفاوضات طويلة الأمد.
وبحسب هذا الطرح، فإن نجاح أي عملية سلام لن يعتمد فقط على استعداد موسكو وكييف للتسوية، بل أيضًا على قدرة واشنطن وشركائها على بناء عملية تفاوضية مستقرة، واضحة ومتعددة الأطراف تستطيع الصمود أمام الانتكاسات والضغوط السياسية والعسكرية.







