ماجد كيالي - مصدر الإخبارية
على رغم أن حركة حماس قدمت أكبر تنازلين في تاريخها، بموافقتها على تسليم السلاح، والتخلي عن الحكم، في قطاع غزة، إلا إن إسرائيل هي التي باتت تضع العصي في دواليب خطة ترمب، كعادتها، في حين تلح حماس على ضرورة إلزام إسرائيل بخطة ترمب، في مفارقة غير عادية في تاريخ تلك الحركة، وفقا لخطاباتها السابقة.
واضح من ذلك أن لدى إسرائيل تحفظات على تلك الخطة، رغم أنها تتماشى في روحيتها مع ما تريده، ما يضعها في مواجهة الأطراف الدوليين والإقليميين الداعمين لتلك الخطة، ولا سيما الإدارة الأميركية، وهو ما بات يظهر واضحا في توتر العلاقة بين حكومة المتطرفين في إسرائيل (نتنياهو، سموتريتش، بن غفير)، وبين الرئيس الأميركي، وأركان إدارته.
هكذا يمكن تعيين تلك التحفظات في الجوانب المهمة الآتية:
أولا، ترى إسرائيل في تحول قضية الفلسطينيين، وضمنها قضية قطاع غزة، إلى قضية دولية، مع وجود قوات عسكرية دولية (كما نصت خطة ترمب)، انتقاصا من قدرها، وتهديدا لمكانتها، إذ باتت تخشى إنها لم تعد مطلقة السراح في التعامل مع الفلسطينيين، أو في تقرير مستقبلهم، بما يعنيه ذلك من تآكل في شرعيتها، كدولة احتلال، وانحسار مكانتها على الصعيد الدولي، وبالتالي تراجع اسهامها في هندسة الشرق الأوسط، بعد كل التغيرات الحاصلة، في المنطقة، والتي أخذت فيها الولايات المتحدة زمام المبادرة، مع تقييد إسرائيل في عديد من المجالات والساحات.
ثانيا، ترفض إسرائيل أي بند في الخطة قد يشكل ضغطا عليها، ولا سيما البند المتعلق بانسحابها الكامل من قطاع غزة، إذ إنها تعتقد بأن من حقها، ولدواعي ما تعتبره أمنها القومي، وضمان عدم تكرار عملية «طوفان» جديدة، مستقبلا، قضم أجزاء من مساحة القطاع، وفرضها كمناطق عازلة، وهو ما باتت تحاول فرضه، أيضا، في حدودها مع سوريا ومع لبنان، مع محاولة فرض حقها في «الذراع الطويلة»، أي استخدام جيشها، عبر سلاح الجو والصواريخ، بضرب أي هدف تشعر أنها يشكل خطرا عليها في عموم منطقة الشرق الأوسط.
ثالثا، تعارض إسرائيل مبدأ التزامن المتبادل، أو فرض الانسحاب، قبل تسليم حماس سلاحها، بكل أنواعه، وذلك لصالح فرض مبدأ تسليم السلاح، وكل البني التحية المتعلقة به، قبل أي انسحاب إسرائيلي، الأمر الذي أقر به المنسق الأعلى لمجلس السلام نيقولاي ملادينوف إبان زيارته مؤخرا لإسرائيل (مطلع شهر أغسطس/آب).
رابعا، تعتقد إسرائيل بأن الظروف الحالية مناسبة لفك ارتباط قطاع غزة بالضفة الغربية، لصالح إنشاء كيانية خاصة بفلسطينيي القطاع، في سياق مشروعها الرامي لتفكيك القضية الفلسطينية، ووأد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الأراضي المحتلة (1967).
خامسا، ترفض إسرائيل أي دور لتركيا أو قطر بمستقبل قطاع غزة، إذ هي باتت ترى في تركيا كغريمة لها، وكمنافس لها، في المنطقة، بعد أن تخلصت من إيران، التي تراجعت مكانتها لصالح تركيا.
سادسا، بحسب التسريبات الإسرائيلية، ثمة تحفظ لكبار ضباط الجيش الإسرائيلي، على الخطة، تقوم على حق إسرائيل بالاحتفاظ بحرية عمل عسكرية كاملة لإسرائيل في قطاع غزة، في أي وقت، وهذا ما تحاول إسرائيل فرضه إزاء كل الساحات، في سوريا ولبنان وصولا لليمن والعراق وحتى إيران.
سابعا، تؤكد إسرائيل على إخضاع عملية نزع السلاح وتخزينه، في قطاع غزة، لرقابة خارجية، وليس لرقابة فلسطينية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن مرارا، وصراحة، رفضه لوثيقة النقاط الـ15 بشأن غزة التي قدمها «مجلس السلام»، بقوله: «إسرائيل لن تقوم بأي سحب لقواتها من القطاع قبل أن يتم نزع سلاح حركة حماس بالكامل. وعندما أقول نزع سلاح، فهذا يعني السلاح الثقيل، والسلاح الأقل ثقلاً، وكل السلاح. نحن نتحدث عن نزع حقيقي للسلاح، لا نزع صوري». وأكد نتنياهو أن حكومته تجري حالياً محادثات مع الولايات المتحدة حول هذا الملف، قائلاً: «لدى الأميركيين أفكار، بعضها مقبول لدينا وبعضها غير مقبول. وإسرائيل تعرف كيف تقف في مواجهة هذه الأمور. لقد أثبتت ذلك في الماضي وتثبته اليوم أيضاً. ويمكننا الوقوف حتى أمام أفضل أصدقائنا. فوجود إسرائيل وأمن جميع مواطني إسرائيل ليسا موضع تفاوض، ونتمسك بهذه المصالح بقوة». ("الشرق الأوسط، 9/8/2026)
على أية حال فإن الإدارة الأميركية لن تدير ظهرها لإسرائيل، بل إنها أبدت تفهمها للحساسيات الإسرائيلية، خاصة قبل موسم الانتخابات، وعبرت عن تعاطفها مع مخاوف إسرائيل الأمنية، ودعمها لها بمختلف الطرق، لكنها مع ذلك ظلت تضغط عليها لتمرير تلك الخطة، على أساس أنه لم يعد لدى إسرائيل ما تخشاه، بعد كل الذي حصل في المنطقة، من انهيار النظام السوري، والضربات التي كسرت حزب الله وحماس، ومع انحسار النفوذ الإيراني في دول المشرق العربي، وأنه لأجل كل تلك الاعتبارات يجب على إسرائيل أن تسهل على الإدارة الأميركية سياساتها في المنطقة.
مصدر التفهم الأميركي نابع من اعتقاد مفاده أن نتنياهو في هذا الوضع يقع وسط اتجاهين متناقضين: من جهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يضغط من أجل اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة إعمار غزة، ومن جهة أخرى يأتي ضغط شركاؤه في اليمين وقادة «الليكود»، الذين يحثونه على عدم التراجع وعدم لتنازل ولو قيد أنملة.
ولعل هذا ما يفسر أن الإدارة الأميركية دفعت مجلس السلام إلى التراجع، مؤخرا، عن الصيغة الأصلية لـ«اتفاق غزة»، من خلال إعلانه أن إسرائيل لن تنسحب من «الخط الأصفر» في القطاع، إلا بعد نزع سلاح حماس، بدلا من الصيغة الأصلية للاتفاق مع التي كانت تنص على أن الانسحاب سيكون بالتدريج، وسيتم بالتزامن مع نزع سلاح الحركة.
هكذا، مرة أخرى، تقوم إسرائيل بتقويض الاتفاق تلو الاتفاق، من أوسلو إلى واي ريفر إلى خطة خريطة الطريق، وصولا إلى خطة السلام في غزة، أي في مواجهة الرؤساء بوش الاب، وكلينتون، وبوش الابن وصولا إلى ترامب، فإسرائيل هي إسرائيل، على حقيقتها، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والإبادية.
قناة الغد







