تل أبيب - تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تعزيز وجودها العسكري داخل الأراضي السورية المحتلة، خصوصًا في ريفي القنيطرة ودرعا، بالتزامن مع إقامة منظومة واسعة من التحصينات والمواقع العسكرية على امتداد المنطقة المحاذية للجولان، في مؤشر على انتقال الوجود الإسرائيلي من عمليات توغل متفرقة إلى انتشار أكثر ثباتًا واستدامة.
وبحسب معطيات إسرائيلية أوردتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" عبر موقعها الإلكتروني "واينت"، يعمل الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين على مشروع هندسي أطلق عليه اسم "شرق جديد"، يهدف إلى إنشاء منظومة تحصينات على امتداد المنطقة الحدودية في جنوب سورية.
وفي أحدث التحركات الميدانية، توغلت قوات إسرائيلية، الأحد، في قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة الأوسط، مستخدمة دبابتين وعددًا من الآليات العسكرية التي كانت تقل جنودًا، وفق ما نقلته القناة الإخبارية السورية.
كما أفادت القناة بأن القوات الإسرائيلية أفرجت عن شاب كانت قد اعتقلته ليل السبت من قرية معرية في ريف درعا الغربي، من دون أن تتضح تفاصيل أسباب الاعتقال أو ظروف الإفراج عنه.
منظومة تحصينات تمتد على طول الجبهة
وأظهر التقرير الإسرائيلي أن الجيش أنهى نحو 80% من أعمال حفر خنادق تمتد من منطقة مجدل شمس شمالًا وصولًا إلى منطقة المثلث الحدودي جنوبًا.
وتبلغ أبعاد الخنادق، وفق التقرير، نحو أربعة أمتار عرضًا وعمقًا، إلى جانب إقامة سواتر ترابية مرتفعة تهدف، بحسب الجيش الإسرائيلي، إلى إبطاء أي تحرك بري باتجاه المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل.
وتخضع نقاط العبور في هذه المنظومة للمراقبة والتغطية النارية، بما في ذلك بواسطة المدفعية، في إطار تصور دفاعي يهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ومنع اقتراب قوات أو مجموعات مسلحة منها.
وأوضح التقرير أن تنفيذ المشروع الهندسي تأخر عن الجدول الزمني الأصلي، بسبب استخدام المعدات الهندسية ذاتها في العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، بما في ذلك عمليات هدم وتدمير واسعة للبنى والمنشآت التي يصنفها الجيش الإسرائيلي على أنها مرتبطة بـ"الإرهاب".
9 مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية
ولا يقتصر الانتشار الإسرائيلي على المنطقة القريبة من خط وقف إطلاق النار، إذ يشير التقرير إلى احتفاظ لواء الجولان 474 بشريط عسكري داخل الأراضي السورية يضم نحو تسعة مواقع بحجم سرية.
وتتحرك القوات الإسرائيلية بصورة منتظمة داخل المناطق المفتوحة والقرى والبلدات السورية الواقعة ضمن نطاق انتشارها، في تحول لافت مقارنة بالنمط السابق الذي كان يقوم بصورة أكبر على التوغلات المؤقتة والعمليات المحدودة.
وجاء هذا الانتشار عقب احتلال إسرائيل المنطقة العازلة ومواقع إضافية داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وإعلان إسرائيل من جانب واحد انهيار اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974.
في المقابل، تتمسك دمشق بالاتفاق وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها، والعودة إلى الترتيبات التي كانت قائمة قبل التوسع العسكري الإسرائيلي.
عقيدة أمنية جديدة توسّع دائرة الاشتباه
ويكشف التقرير الإسرائيلي عن تبني الجيش مقاربة أمنية جديدة في المنطقة، تقوم على تقييم القدرات العسكرية لأي جهة موجودة، بدل تحديد عدو بعينه مسبقًا.
ونقل التقرير عن ضابط في قيادة المنطقة الشمالية قوله إن الجيش لم يعد يحدد استجابته الدفاعية وفق هوية الجهة الموجودة أمامه، بل وفق ما تستطيع تلك الجهة القيام به عسكريًا.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بسبب انعكاساتها على السكان المدنيين، إذ نقل التقرير عن الضابط نفسه أن الجيش يتعامل مع المدني أو راعي الأغنام الذي يتحرك في المنطقة باعتباره شخصًا قد يكون مسلحًا ويشكل تهديدًا.
ويأتي ذلك في منطقة تضم قرى فقيرة وسكانًا يعتمد قسم منهم على تربية الأغنام والدواجن، ما يجعل الانتشار العسكري الإسرائيلي المتكرر مصدر احتكاك مباشر مع الحياة اليومية للسكان.
عمليات داخل القرى واحتكاك مع السكان
وبحسب التقرير، تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات داخل عدد من البلدات والقرى السورية، بما فيها مناطق في محيط القنيطرة ودرعا، مع استمرار صعوبة التمييز، وفق الرواية الإسرائيلية، بين المدنيين والمسلحين.
وقال ضابط إسرائيلي إن تحديد ما إذا كان شخص ما "عدوًا" أو مدنيًا يدافع عن نفسه قد يكون صعبًا في الوقت الحقيقي، وهو ما يستخدمه الجيش لتبرير استمرار عملياته داخل التجمعات السكانية.
وفي حادثة وقعت أواخر حزيران/يونيو الماضي، نفذت قوات إسرائيلية عملية في منطقة عابدين غربي درعا، وتعرض رتل عسكري للرشق بالحجارة أثناء انسحاب جزء من القوات باتجاه أحد المواقع.
ووفق الرواية الإسرائيلية، أطلقت القوات النار لاحقًا واستخدمت قذائف الهاون، كما نفذت مروحية قتالية غارة في المنطقة. ولم تسجل إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية، فيما ترك الجنود خلال الحادث معدات، بينها هاتف عسكري مصنف، قال الجيش إنه تمكن من تعطيله عن بعد.
وأجرى الجيش الإسرائيلي مراجعة للحادثة، فيما باتت قواته تنفذ جزءًا كبيرًا من عملياتها داخل بعض القرى، ومنها عابدين، خلال ساعات الليل.
توغلات وحواجز واعتقالات متواصلة
وتتكرر التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سورية بصورة شبه يومية، وتشمل إقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش المارة والمنازل، إضافة إلى اعتقال مدنيين.
والجمعة، توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من خمس آليات عسكرية في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي، وأقامت حاجزًا داخل القرية.
وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوسع لتثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، في ظل تصريحات إسرائيلية متكررة عن ضرورة الاحتفاظ بما تصفه تل أبيب بـ"المناطق الأمنية" داخل الأراضي السورية.
من التوغل إلى الوجود طويل الأمد
وتشير مجمل المعطيات إلى تغير جوهري في طبيعة الانتشار الإسرائيلي في جنوب سورية؛ فبدل الاقتصار على عمليات عسكرية عابرة، يجري بناء بنية عسكرية ثابتة نسبيًا تشمل مواقع للقوات وخنادق وسواتر ومنظومة مراقبة وتحركات منتظمة داخل الأراضي السورية.
ويعزز إنشاء هذه البنية احتمال استمرار الوجود الإسرائيلي لفترة طويلة، خصوصًا في ظل عدم وجود اتفاق جديد مع دمشق ينظم الانتشار على جانبي خط وقف إطلاق النار.
وفي الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إن هدف وجودها العسكري هو منع تمركز جهات مسلحة و"حماية أمنها"، ترى دمشق أن هذه التحركات تمثل احتلالًا لأراضٍ سورية وانتهاكًا للسيادة السورية، وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى ترتيبات اتفاق فصل القوات لعام 1974.
وبذلك، لا يقتصر التطور الحالي على زيادة عدد القوات أو وتيرة التوغلات، بل يتمثل أساسًا في تحويل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل جنوب سورية إلى واقع ميداني أكثر رسوخًا، بما قد يفرض معادلة أمنية وسياسية جديدة على المنطقة ويجعل أي تسوية مستقبلية بشأن الحدود والانتشار أكثر تعقيدًا.







