طلال عوكل - كاتب ومحلل سياسي
لم تتوقف الحرب على قطاع غزة، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، حتى بعد أن قبل الطرف الفلسطيني خطة ترمب، ووافق على مضض رئيس الحكومة الإسرائيلية. حتى شهر اكتوبر 2025، حين دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ استمر الحصار وتقنين إدخال مواد الإغاثة، واستمر الزحف الإسرائيلي على أرض القطاع إلى أن بلغت النسبة 70% في حين كانت عند إعلان وقف إطلاق النار 53%.
الاغتيالات، والقتل، أصبحت بالعشرات، بدلاً من المئات يومياً، تحت مبررات وذرائع، تخالف خطة ترمب، وتشكّل مؤشراً على الاعتراض الإسرائيلي عليها.
صمتت إدارة الرئيس ترمب، ولم يكن بوسع الوسطاء التدخل على نحو فاعل، في ظل تركيز العالم على الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط، وذلك بالرغم من أن إسرائيل تعمدت عدم الالتزام بالاستحقاقات التي نصت عليها المرحلة الأولى من خطة ترمب.
الأهداف الإسرائيلية بقيت على حالها، وهي القضاء على المقاومة وليس سحب أسلحتها، وإعدام الحياة في القطاع، لتهجير لسكانه، ووئد حل الدولتين.
فشلت إسرائيل في الحصول على موافقات دولية كثيرة، لاستقبال سكان القطاع، وبقي الموقف المصري، الذي يرفض عملية التهجير صامداً بقوة أمام كل المحاولات الإسرائيلية، وكذلك صمود الفلسطينيين بالرغم من حجم المعاناة والآلام التي يتكبدونها.
الوسطاء لم يتوقفوا عن العمل والتدخل لدى الإدارة الأميركية، وقد أدت تلك المحاولات إلى نتائج واعدة، حيث بدأ الرئيس ترمب حملته لإعادة الإمساك بالقرار، بعد أن واجه حملة اتهامات بأنه تخلى عنه لصالح نتنياهو.
أنا من يُقرّر، كررها ترمب غير مرة، وعمل على إثبات ذلك حين قيد مشاركة إسرائيل في القصف على إيران، وحين فرض عليها القبول بالخطة الأميركية في جنوب لبنان.
وقبل الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى واشنطن، عزز هذا الموقف حين أعلن عن أنه من يقرر أن كان سيعطي تركيا صفقة طائرات F-35، التي يعارضها نتنياهو بقوة، وحين قال أيضاً إنه ليس بحاجة إلى معلومات استخباراتية من أي طرف بشأن جبل الفأس الإيراني، وكأنه يرد على ما قيل من أن نتنياهو يحمل معلومات استخبارية للإدارة الأميركية.
أخيراً أثمرت تحركات الوسطاء مصر وقطر خصوصاً، في التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس، ومجلس السلام، بشأن القضايا العالقة في ملف قطاع غزة، من خلال معالجة مقبولة حول الموضوع الأهم وهو حصر السلاح، وإتاحة الفرصة لدخول قوات حفظ الاستقرار واللجنة الوطنية الفلسطينية، التي سيترتب عليها، إدارة القطاع، بعد أن أظهرت حماس موافقة على التخلي عنها.
وفيما كانت المحاولات تشير إلى إمكانية التوصل إلى الاتفاق الجديد، وفي مجادلة كاذبة صرّح بها نتنياهو، بأنه لا يشكل عائقاً أمام خطة ترمب، وافقت إسرائيل على دخول مئتي جندي من دول صديقة كطليعة لقوة حفظ الأمن والاستقرار في القطاع.
غير أن المعارضة الإسرائيلية لخطة ترمب الأساسية، والصيغة الجديدة التي تم التوافق عليها جاءت سريعة نظرياً حين قال نتنياهو أن هذه الخطة هي نتيجة مفاوضات، بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية وعزّز ذلك الرفض، باستمرار عمليات القصف والاغتيالات.
الموافقة الفلسطينية التي جاءت متأخرة، لِنَزع الذرائع ووقف النزيف الذي يتعرّض له سكان قطاع غزة، ألقت الكرة في أحضان الرئيس الأميركي وفريقه، والذي عليه أن يتعامل بحزم مع السياسة الإسرائيلية التي تعمل على إفشال المساعي التي أرادها ترمب لتحقيق إنجاز لطالما انتظره، لكي يدّعى أنه "بطل السلام"، الذي نجح في تحقيقه في واحدة من أصعب وأعقد الملفات المزمنة.
وبالمقابل، من غير المتوقع أن يقبل نتنياهو إبتلاع الطعم، الذي يسحب من يديه ورقة مهمة في الانتخابات المقبلة، وينسف سرديته التي تغذى عليها منذ وقت طويل.
الصحافة الإسرائيلية، بدأت الحديث علناً عن فشل حكومة نتنياهو وكذلك الحال بالنسبة للمعارضة، التي تتهم نتنياهو بأنه فرّط باستقلالية القرار الإسرائيلي، وترك إسرائيل رهن قرارات الرئيس الأميركي.
الاتفاق الجديد، الذي يشكل مخرجاً من حالة الاستعصاء التي سادت أشهراً طويلة، كانت مكلفة بالنسبة لأهل القطاع والفلسطينيين عموماً، يُعطي فرصة، لمناورات إسرائيلية، من أجل إفشاله، ولكن الوقت لا يخدم نتنياهو الذي ينتظر محطة الانتخابات العامة التي ستجري في أكتوبر القادم.
الإدارة الأميركية أصبحت حَذِرة، من الألاعيب التي برع فيها نتنياهو، وبالتالي فإن الرئيس ترمب ليس مُستعداً لأن يُغامر بهيبته ومكانته، الأمر الذي يستدعي من الوسطاء العرب والمسلمين، مواصلة الضغط على الإدارة الأميركية في تنفيذ الاتفاق الجديد والانتباه لمحاولات العرقلة الإسرائيلية المتوقعة.
في الواقع ليس أمام الفلسطينيين سوى الالتزام، والصبر، وإظهار حسن النية، والامتناع عن تقديم الذرائع لنتنياهو وائتلافه الذي يعيش على الحروب والدمار والدماء، والاستعداد لمرحلة إعادة صياغة النظام السياسي في ضوء الاستحقاقات الانتخابية التي ستجري في نوفمبر القادم.







