باريس - مصدر الإخبارية
سلّط تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "ميديا بارت" الفرنسية الضوء على المعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في الشتات جراء الحرب المستمرة على قطاع غزة، من خلال قصة الشقيقين الفلسطينيين مروان ناصر وشامة ناصر، اللذين يقيمان في مدينة إيكس أون بروفانس جنوب فرنسا، بعدما فقدا أكثر من 213 فرداً من أفراد عائلتهما الممتدة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويرصد التحقيق الأثر النفسي العميق الذي خلفته الحرب على الفلسطينيين المقيمين خارج القطاع، في ظل عجزهم عن الوصول إلى ذويهم أو الاطمئنان عليهم، بينما يتابعون تطورات الأحداث لحظة بلحظة عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي.
لوحة تحمل أسماء الضحايا
ويصف التحقيق منزل الشقيقين بأنه يبدو هادئاً من الخارج، حيث تتوزع فيه بعض الرموز الفلسطينية والعربية، إلا أن أبرز ما يلفت الانتباه هو لوحة بيضاء كبيرة علقت على أحد الجدران، تحولت إلى سجل يوثق أسماء أفراد العائلة الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.
وبحسب التقرير، تضم اللوحة أسماء 213 شخصاً من عائلة ناصر، كتبها الشقيقان بخط اليد، في محاولة للحفاظ على ذاكرة أقاربهما وتأكيد أنهم ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الضحايا، بل أشخاص كانت لهم حياتهم وأحلامهم وعائلاتهم.
من البحث عن الأمان إلى معاناة المنفى
وأشار التحقيق إلى أن مروان وشامة غادرا قطاع غزة بين عامي 2021 و2022 بحثاً عن الاستقرار، قبل أن يستقرا في جنوب فرنسا، إلا أن اندلاع الحرب أعاد ربط حياتهما اليومية بما يجري في القطاع.
ونقل التحقيق عن مروان قوله إن وجوده الجسدي في فرنسا لم يغير ارتباطه بغزة، موضحاً أن قلبه وعقله ما زالا مع عائلته تحت القصف، بينما أصبحت متابعة الأخبار والرسائل العائلية جزءاً دائماً من يومه، انتظاراً لأي معلومات عن أقاربه.
وأضاف أن كل إشعار يصل إلى هاتفه قد يحمل خبراً عن فقدان فرد جديد من العائلة، الأمر الذي حول حياته إلى حالة مستمرة من القلق والترقب.
معاناة الانتظار والعجز
وسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ"عذاب المسافة"، موضحاً أن الفلسطينيين في الخارج يعيشون حالة مزدوجة من الألم، إذ يراقبون ما يجري في وطنهم من بعيد دون القدرة على تقديم أي مساعدة أو حتى معرفة مصير ذويهم بسرعة.
ونقل التحقيق عن شامة ناصر قولها إن أصعب ما يواجهه أفراد العائلة هو انتظار الأخبار بعد كل قصف، في ظل انقطاع الاتصالات أحياناً، وعدم القدرة على التواصل مع الأقارب أو الوصول إليهم، فضلاً عن استحالة المشاركة في تشييعهم أو دفنهم.
وأوضحت أن العائلة كانت تنتظر لساعات وربما أيام لمعرفة من بقي على قيد الحياة ومن فقد حياته بعد استهداف المنازل.
توثيق أسماء الضحايا
وأشار التحقيق إلى أن الغارات التي تعرضت لها مناطق مختلفة من قطاع غزة أدت، وفق رواية العائلة، إلى فقدان فروع كاملة من شجرة العائلة، حيث قضى عدد من الأقارب معاً داخل منازلهم أو في أماكن نزوحهم.
وأضافت شامة، بحسب التحقيق، أن وسائل الإعلام غالباً ما تتحدث عن أعداد الضحايا، بينما لكل اسم على اللوحة قصة وحياة وعائلة، مؤكدة أن كتابة الأسماء بخط اليد تمثل محاولة للحفاظ على ذاكرة من فقدوا حياتهم.
رسالة إلى المجتمع الفرنسي
وأوضح التحقيق أن الشقيقين قررا فتح منزلهما أمام الصحفيين والمهتمين بالشأن الفلسطيني بهدف نقل تجربتهما الشخصية إلى المجتمع الفرنسي، وإبراز الآثار الإنسانية للحرب على العائلات الفلسطينية، سواء داخل قطاع غزة أو بين أفرادها المقيمين في الخارج.
وأشار إلى أن مروان وشامة يسعيان إلى تحويل منزلهما إلى مساحة توثق قصص أفراد عائلتهما، وإلى إيصال رسالة مفادها أن الضحايا الذين تذكرهم الأخبار اليومية هم أشخاص لهم أسماء وذكريات وحياة، وأن آثار الحرب تمتد إلى الفلسطينيين في الشتات الذين يعيشون يومياً ألم الفقد والانتظار.







