متابعات - مصدر الإخبارية
أثارت سلسلة من الحوادث العنصرية التي استهدفت اللغة العربية والعاملين العرب في أماكن عمل مختلفة داخل إسرائيل موجة واسعة من الغضب والاستنكار، في ظل تزايد الشهادات حول محاولات منع الموظفين من استخدام لغتهم الأم، حتى في الأحاديث الداخلية بينهم، وفرض التحدث بالعبرية خلال ساعات العمل.
وبرزت خلال الأيام الأخيرة قضية موظفة عربية شابة استقالت من عملها في أحد فروع شبكة "غود فارم" بمدينة يافا، بعد صدور تعليمات من مديرة الفرع تمنع الموظفين العرب من التحدث بالعربية فيما بينهم أثناء العمل.
وقالت الموظفة، البالغة من العمر 19 عامًا، إنها فوجئت بعد نحو أسبوع من بدء عملها برسالة أرسلتها مديرة الفرع إلى مجموعة الموظفين، تطلب فيها من العاملين العرب الامتناع عن استخدام اللغة العربية داخل المتجر.
وأضافت أن القرار لم يكن مرتبطًا بشكوى من أحد الزبائن أو بحادثة محددة، وإنما جاء، بحسب ما أُبلغت به، بسبب الأوضاع والتوتر بين العرب واليهود، وبذريعة أن بعض الزبائن قد يشعرون بعدم الارتياح عند سماع العربية.
وأكدت أن التعليمات استهدفت عمليًا الموظفتين العربيتين الوحيدتين في الفرع، رغم أن عددًا كبيرًا من الزبائن العرب يترددون على المتجر.
وقالت: "قررت فورًا الاستقالة وعدم العودة إلى العمل. لست مستعدة للتنازل عن جزء من هويتي من أجل وظيفة أو راتب، وكرامتي وهويتي أهم من الاستمرار في مكان يفرض عليّ التخلي عن لغتي".
وأوضحت أنها لم تتلقَّ أي اعتذار مباشر من إدارة الفرع بعد استقالتها، وأنها بدأت باتخاذ إجراءات قانونية على خلفية الحادثة.
حادثة مشابهة في "كاسترو": "قالوا لنا العربية مكانها البيت فقط"
وفي حادثة أخرى وقعت قبل نحو ثلاثة أشهر في فرع شبكة "كاسترو" بمدينة العفولة، كشفت موظفة عربية عن تعرضها وزميلاتها لمنع استخدام اللغة العربية داخل مكان العمل.
وقالت الموظفة إن مسؤولة في الفرع أرسلت رسالة عبر مجموعة الموظفين على تطبيق "واتساب"، تضمنت تعليمات تمنع العاملين العرب من التحدث بالعربية أثناء العمل.
وأضافت أنه في اليوم التالي، وبينما كان المتجر مغلقًا أمام الزبائن، تحدثت إحدى الموظفات بالعربية مع زميلتها، ما دفع المسؤولة إلى الصراخ والاعتراض.
وبحسب شهادتها، قالت المسؤولة إن استخدام العربية يكون "في البيت فقط"، وإن المدينة "يهودية ولا مكان للغة العربية فيها".
وأوضحت الموظفة أن العاملات اعترضن على القرار، وأكدن أنه لا يحق للإدارة منعهـن من استخدام لغتهن، إلا أن الرد كان أن من لا يقبل بالتعليمات يمكنه مغادرة مكان العمل.
وقالت: "شعرنا بأن الأمر يتجاوز تنظيم العمل إلى محاولة مباشرة لمحو هويتنا".
وأضافت أن الموظفات توجهن إلى الإدارة العليا طلبًا للتدخل، لكن النتيجة كانت استدعاءهن إلى جلسات استماع وفصلهن من العمل، بدلًا من محاسبة المسؤولة التي أصدرت التعليمات.
وعقبت شبكة "كاسترو" على القضية بالقول: "في كاسترو، نحن جميعًا نسيج إنساني واحد"، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول الحادثة.
منع العربية يصل إلى القطاع الصحي
ولم تقتصر الشهادات على أماكن العمل التجارية، إذ تحدث طبيب يعمل في أحد مستشفيات مدينة حيفا عن تعليمات وصلت إلى الطواقم الطبية بشأن عدم استخدام اللغة العربية خلال العمل.
وقال الطبيب إن العاملين العرب اعترضوا على هذه التعليمات، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من العاملين في المستشفى هم من العرب، مشيرًا إلى أن العاملين اليهود الروس يستمرون في استخدام الروسية فيما بينهم.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا في الأجواء داخل الجهاز الصحي، حيث أصبح الموظفون العرب أكثر حذرًا في التعبير عن هويتهم وآرائهم، خصوصًا في القضايا السياسية، خشية التعرض للمساءلة أو الاتهام.
وأكد أن حالة الخوف من التعبير عن الهوية والرأي ما زالت قائمة رغم تراجع حدة التوتر مقارنة بفترات سابقة.
حقوقيون: العنصرية أصبحت أكثر تطبيعًا
وقالت مديرة المشاريع في "كرامة - المركز لمناهضة العنصرية في إسرائيل"، المحامية يارا منصور، إن محاولات منع استخدام اللغة العربية ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت تظهر بشكل أوضح من خلال حوادث تحظى باهتمام إعلامي، بينما تستمر ممارسات مشابهة بصورة يومية.
وأضافت أن هذه الأحداث مرتبطة بالسياق السياسي والاجتماعي العام، بما يشمله من خطاب تحريضي من سياسيين إسرائيليين واعتداءات وخطابات عنصرية في الإعلام والكنيست، إلى جانب غياب المحاسبة الفعلية.
وأوضحت أن استمرار عدم معاقبة الممارسات العنصرية أدى إلى تطبيعها داخل المجتمع، بحيث يجري البحث عن مبررات لها أو تقديمها باعتبارها نابعة من اعتبارات أخرى.
وقالت إن تأثير ذلك يصل إلى أماكن العمل والمستشفيات والمؤسسات المختلفة، حيث لم يعد الضغط على المواطنين العرب مقتصرًا على آرائهم السياسية، بل امتد إلى مطالبتهم بإخفاء هويتهم ولغتهم في المجال العام.
وحذرت منصور من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى نشوء أجيال شابة تعتبر التخلي عن اللغة العربية وإخفاء الهوية أمرًا طبيعيًا يجب التعايش معه.
لا قانون يمنح صلاحية منع العربية
وأكدت منصور أنه لا يوجد سند قانوني يسمح لأصحاب العمل أو المؤسسات العامة بفرض حظر شامل على استخدام اللغة العربية، مشيرة إلى أن تكريس مكانة اللغة العبرية في قانون القومية لا يمنح أي جهة صلاحية منع المواطنين من التحدث بالعربية.
ودعت من يتعرض لمثل هذه الممارسات إلى توثيق الحوادث والاحتفاظ بالأدلة والتوجه إلى الجهات الحقوقية والقانونية المختصة.
وتأتي هذه الحوادث في ظل تصاعد التحذيرات من توسع مظاهر التمييز ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وسط مخاوف من تحول التضييق على اللغة العربية والهوية إلى ممارسة مقبولة في الحيز العام وأماكن العمل.
المصدر: عرب 48






