محمد مشارقة - كاتب وباحث سياسي
لم أستطع، مثل كثيرين، أن أبعد عيني عن المقاطع التي بثها ركاب الأسطول من هواتفهم تلك الليلة. لم تكن صوراً احترافية ولا مأخوذة من زاوية بليغة؛ كانت مهتزة، رديئة الإضاءة، يقطعها صوت أنفاسٍ متسارعة. ومع ذلك كان فيها ما لا تملكه آلاف ساعات البث الرسمي: أن من واجهوا الاقتحام يعرفون أنهم على حق، وأن من يقتحم يعرف ، في مكان ما ، أنه ليس كذلك. من تلك اللقطة المهتزّة يبدأ، في ظني، ما حاول باسم الزبيدي أستاذ السياسة في جامعة بيرزيت قوله في مقاله "حين يتحول الضعف إلى فضيحة للقوة".
الزبيدي لا يسجل واقعة الاعتداء على الأسطول، بل يستعملها مشرطاً يفتح به جسد القوة ليرينا ما في داخله. وأطروحته، إن جردت إلى جوهرها، انقلاب في المعنى: إسرائيل، بكل جيشها وبحريتها واستخباراتها وغطائها الدولي، فرضت سيطرتها على بضع سفن صغيرة، لكنها في اللحظة نفسها كشفت أن فائض القوة قد ينقلب عبئاً. فحين تستدعي مواجهة مدنيين عزلٍ كلّ هذا العنف، يتحول السلاح من أداة ردع إلى وثيقة إدانة، وتتحول السفينة من محاولة لكسر الحصار إلى منصة لكشفه.
وأحب أن أكون منصفاً للنص: ما يقدمه الزبيدي ليس مديحاً للضعف - وهذه تهمة جاهزة قد ترمى على كل من يكتب في هذا الباب - بل تشريح لمنطقه. فالضعف عنده ليس غياب القوة، بل غياب صورتها الصلبة: السلاح والمال والدولة والتقنية؛ وحضورها في أشكالٍ أقل بريقاً وأبقى أثراً: الزمن حين يصير مورداً، والمكان حين يعرف ذاكرة لا جغرافيا، والشرعية الأخلاقية، والرواية. خيوط تتساند حتى تنسج محصلة واحدة هي الاستنزاف. الضعيف لا يهزم القوي، لنقلها بصراحة كي لا نكذب على أنفسنا ، لكنه يحرمه النصر المبين، ويرفع كلفة سيطرته حتى تصير عبئاً لا ينتهي.
غير أن النص يترك باباً موارباً لم يدخله، وهو ما يشغلني أكثر من سواه: ماذا يحدث لهذا المنطق حين لا يكون القوي مدجَجاً بالسلاح التقليدي وحده، بل بالقنبلة النووية وبأذكى منظومات المراقبة في تاريخ البشر؟ هنا تتكشّف مفارقة تكاد تكون قاسية: كلما تعاظمت القوة التقنية، تعمق عجزها عن صناعة الشيء الوحيد الذي لا تخرجه أي آلة، انه القبول.
فالتفوق المطلق عند الزبيدي، أولاً، فخ. القنبلة النووية سلاح ردعٍ بين الدول، لا بين دولة وشعب؛ تصلح لتخويف عاصمة مقابلة، لا لإخضاع مخيم أو طفل يحفظ اسم بلدته التي لم يرها قط. وحين تكون الفجوة بهذا الاتساع، يصبح كل استخدام للقوة دليلاً على اختلال الميزان لا على استحقاق النصر. وسؤال الزبيدي: لماذا تحتاج قوة بهذا الحجم إلى كل هذا العنف؟ يزداد حدة كلما صعدت القوة في سلم التقنية. المسيرة التي تطارد عائلة عزلاء لا تثبت قوة مشغلها، بل تثبت أن قوته عاجزة عن أن تستحيل عدالة أو استقراراً.
وثانياً، ثمة سخرية قدرية في أن العين التي بنيت لتراقب باتت تفضح صاحبها. التفوق الإسرائيلي قام على وعد بالرؤية الكاملة: أقمار وكاميرات وتنصت وخوارزميات. لكن العصر الرقمي قلب الأداة على يد حاملها. فاللحظة التي اقتحم فيها الأسطول لم تخرج من غرف الاستخبارات، بل من جيوب الناشطين أنفسهم. التقنية التي وعدت القوي باحتكار المشهد نزعت عنه احتكار التفسير؛ صار الأضعف يخاطب العالم مباشرة بكاميرا في جيبه، وانقلب فائض الشفافية فائض إدانة: ما كان يرتكب في الظل صار يرتكب أمام الملايين.
وثالثاً، ثمة حساب اقتصادي كامن في فكرة الاستنزاف. قوة النووية، تسلح دائم، ومراقبة، وجدار، وحواجز، وقوانين استثنائية، وغطاء دبلوماسي، وتبرير أخلاقي لا يتوقف. في المقابل، أدوات الضعيف زهيدة إلى حد الإهانة: حجر، إضراب، مفتاح صدئ، منشور على هاتف، أسطول صغير. هنا قلب المعادلة: القويّ مضطر إلى الإنفاق الدائم لمجرد تثبيت الوضع القائم، والضعيف لا يحتاج إلا إلى أن يبقى. ومع الزمن تتحول الترسانة الباهظة من رافعة إلى ثقب في ميزانيتين معاً: المال، والشرعية.
ورابعاً، وهو ما يبدو لي جوهر المسألة: الردع يقوم على أن للخصم ما يخشى خسارته. فماذا تردع القنبلة لدى شعبٍ جعل من بقائه ذاته فعل مقاومة؟ المنظومات النووية تحسن تدمير الصلب، المباني والبنى والأجساد، وتقف عاجزة أمام الرخو: الذاكرة، الاسم، شجرة الزيتون التي يعرف صاحبها أي غصنٍ زرعه جده. لا قنبلة تقتل فكرة العودة، ولا خوارزمية تمحو ذكرى قرية. هذا مكمن العجز الأعمق: القوة المطلقة فعالة تماماً ضد المادي، عاجزة تماماً عن الرمزيّ. وحين يكون جوهر القضية رمزياً وأخلاقياً وزمنياً، تصبح أعتى ترسانة في الأرض بلا هدفٍ تصيبه.
أعود إلى تلك اللقطة المهتزة التي بدأت منها، لأن ما رأيته فيها هو بالضبط ما يعجز النص الرسمي عن إخفائه: أن النصر الذي يحتاج إلى تبريرٍ كل يوم هزيمة مؤجلة. فالنصر الحقيقي ينتج قبولاً وصمتاً واستقراراً؛ أما القوة النووية، تلك التقنية في وجه المستعمَر الأعزل فلا تنتج إلا ضجيجاً متجدداً من الإحراج. تستطيع أن تحتل وتقتل وتقصف وتراقب وتحاصر، لكنك لا تستطيع أن تغلق السؤال. وفي هذا العجز بالذات يكمن انتصار الضعيف: لا لأنه يملك ما يهزم به القوة، بل لأنه يعريها أمام العالم، فتغدو كل قنبلة في مخزنها شاهداً جديداً على أن التفوق المادي، مهما تعملق، لا يصنع شرعية، ولا يقتل رواية، ولا يغلق تاريخاً.







