د. عماد عمر .. اكاديمي وباحث سياسي
يبدو أن بعض الأقلام لا تزال أسيرة أحداث الماضي، فتتعامل مع الواقع الفلسطيني الراهن بعقلية التصنيف والإقصاء، في الوقت الذي يعيش فيه شعبنا واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الوطني، ويبحث عن أي بارقة أمل تنهي معاناته وتفتح أمامه نافذة نحو الاستقرار وإعادة الإعمار والحياة الكريمة.
إن ما طرحه الدكتور إبراهيم أبراش حول ما أسماه “مشروع دحلانستان” يعيد إنتاج خطاب سياسي تجاوزه الزمن، ويتجاهل حقيقة أن الأولوية اليوم ليست لتصفية الحسابات السياسية أو استدعاء خلافات الماضي، بل لإنقاذ الإنسان الفلسطيني الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة الانقسام والحروب والحصار.
لقد كان محمد دحلان على مدار السنوات الماضية حاضراً في العديد من الملفات الإنسانية والوطنية المتعلقة بقطاع غزة، وساهم عبر علاقاته العربية والإقليمية في دعم مشاريع إنسانية وتنموية استفاد منها عشرات الآلاف من أبناء القطاع، في وقت كانت فيه الأزمات تتفاقم والحاجة إلى الدعم تزداد يوماً بعد يوم.
وإذا كانت بعض الأطراف تنظر إلى أي دور محتمل لدحلان من زاوية المنافسة السياسية، فإن قطاعاً واسعاً من أبناء شعبنا ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، وهي القدرة على توظيف العلاقات السياسية والإقليمية لخدمة القضية الفلسطينية وتخفيف معاناة المواطنين، خصوصاً في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها قطاع غزة.
إن الحديث عن قبول إقليمي أو دولي لأي شخصية فلسطينية لا ينبغي أن يكون تهمة بحد ذاته، بل يجب أن يُنظر إليه كأداة يمكن توظيفها لصالح المشروع الوطني الفلسطيني، طالما أن الهدف هو حماية حقوق شعبنا، ووقف نزيف الدم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتهيئة الظروف أمام حياة آمنة وكريمة للفلسطينيين.
أما محاولات تصوير أي جهد سياسي أو مبادرة إنسانية على أنها مشروع لفصل غزة عن الوطن، فهي تتناقض مع المواقف المعلنة والمتكررة التي تؤكد أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تكون في إطار الحفاظ على وحدة الشعب والأرض والقضية.
اليوم، لا يحتاج الفلسطينيون إلى مزيد من الانقسام أو التخوين، بل إلى قيادات وقوى سياسية تمتلك القدرة على بناء الجسور، وجمع الصف الوطني، واستقطاب الدعم العربي والدولي لخدمة أبناء شعبنا الذين أنهكتهم الحروب والحصار والنزوح.
إن معيار الحكم على أي شخصية أو مبادرة يجب أن يكون مقدار ما تقدمه للشعب الفلسطيني من حلول وفرص وأمل، لا حجم الخلافات السياسية المحيطة بها. فالتاريخ لا يخلد من يثير الانقسامات، بل من يساهم في إنقاذ الشعوب وصناعة مستقبل أفضل لها.
وفي هذه اللحظة المفصلية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن توظيف كل الطاقات والعلاقات والإمكانات الفلسطينية والعربية لإنهاء معاناة غزة واستعادة الأمل لأبنائها؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن ننشغل به جميعاً، بعيداً عن اجترار معارك الماضي ومصطلحاته.