محمد مشارقة - كاتب وباحث سياسي
تنطلق هذه الورقة من تشخيص الدكتورة غانية ملحيس في ورقتها المنشورة بتاريخ الثالث والعشرين من مايو 2026، تحت عنوان "من النقاش حول المؤتمر الثامن إلى تفكيك شروط إنتاج السياسة الفلسطينية"، القائل بأن تجاوز الانسداد السياسي الفلسطيني لا يبدأ بتغيير النخب أو ترميم المؤسسات القائمة، بل بكسر احتكار تعريف السياسة ذاتها. فالفعل السياسي الحيّ، كما تُبيّن، لم يعد محصوراً في المركز الرسمي، بل بات موزعاً في المجتمع والمبادرات المحلية والشتات والفضاء الرقمي، في انتظار أن يتحوّل من تراكم متفرق إلى بناء منظّم. وما تطرحه هذه الورقة هو الإجابة العملية عن السؤال الذي أسّسته الدكتورة ملحيس: كيف تُنتَج السياسة الفلسطينية الجديدة خارج البنية المغلقة التي أعادت إنتاج أزمتها؟
يتقاطع هذا التشخيص النظري مع ما تفرضه ضرورات المرحلة القادمة من متطلبات عملية، ليشكّلا معاً أرضية لفعل سياسي مختلف نوعاً لا شكلاً. وانطلاقاً من هذا التقاطع، تتأسس الرؤية السياسية المقترحة على المبادئ الآتية:
أولاً: القطيعة مع نموذج إعادة تجميع النخب القائمة.
لا يمكن بناء الفعل السياسي القادم على إعادة تشكيل ما يُسمى بالنخبة السياسية الراهنة، من فصائل وأحزاب ومستقلين، إذ باتت هذه النخب في مجملها جزءاً من المشكلة لا أداةً لحلها. فهي التي أنتجت الانسداد وأعادت إنتاجه جيلاً بعد جيل، وما الاستمرار في التعويل عليها إلا دوران في الحلقة ذاتها واستنزاف للوقت الذي لم يعد متاحاً.
ثانياً: البناء من القاعدة لا من القمة.
يبدأ العمل التنظيمي الجديد من الحي والمخيم والقرية، لا من قاعات المفاوضات والحوارات أو أروقة الفصائل. وشرط العضوية وادّعاء التمثيل يقوم على الانخراط الفعلي في هيئة قاعدية أولاً، إذ لا تمثيل سياسي مشروع إلا من داخل العمل المباشر مع الناس في أحيائهم ومجتمعاتهم. وهذا ما تعنيه الدكتورة ملحيس حين تؤكد أن البديل لا ينبثق من فراغ، بل يبدأ من المجتمع الذي أعاد إنتاج أشكال الفعل الجماعي خارج المركز التقليدي.
ثالثاً: للنخب دور موصوف لا دور محتكَر.
يمكن للنخب السياسية والثقافية والأكاديمية والمهنية أن تُشكّل أطرها الخاصة وتُستدعى للمشورة والمساندة، غير أنها لا تُقبَل إلا من خلال روابطها وتمثيلها الديمقراطي الحقيقي، كاتحادات الكتّاب والأكاديميين، ولجان الاقتصاديين والصحة والتعليم، وهيئات البيئة والمدينة. فدورها مكمّل لا مُهيمن، ومشاركتها مشروطة بالانتماء المؤسسي الفعلي لا بالوجاهة الاجتماعية أو الحضور الإعلامي.
رابعاً: التجاور لا الإقصاء، والتمايز لا الصراع.
لا يدخل الإطار الجديد في مواجهات أو جدل مع الأطر القائمة، سواء أكانت فتح، أم حماس أم سواهما، بل يتجاور معها دون أن يُقصيها أو يُنازعها شرعيتها. فالمهمة مختلفة في جوهرها: خدمة الناس والعمل على همومهم المباشرة، لا الصراع على سلطة وهمية تحت الاحتلال ولا خوض الجدل السياسي أو الفكري أو الديني الذي طالما استنزف الطاقة وعمّق الانقسام وأبعد الناس عن السياسة. وهذا بالضبط ما تعنيه استعادة تعريف السياسة من خارج البنية المغلقة التي أنهكت نفسها بصراعاتها الداخلية.
خامساً: هذا النموذج هو الأنسب للمرحلة الانتقالية القادمة.
يُرجَّح أن يُجبَر النظام السياسي الفلسطيني على التجديد عبر حكومة تكنوقراط مستقلة عن الفصائل، تُعدّ البلاد لانتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية، وتُقدّم استفتاءً على دستور جديد. وفي هذه المرحلة تحديداً، يغدو الإطار القاعدي المستقل ليس بديلاً احتجاجياً بل رافداً تأسيسياً لإنتاج تمثيل حقيقي ومتجدد. فحين يتآكل احتكار المركز لإنتاج السياسة، لا يظهر البديل دفعةً واحدة، بل يتشكّل تدريجياً من تراكم أشكال جديدة من الفعل والتمثيل وإنتاج المعنى السياسي، وهذا التراكم هو ما ينبغي الشروع في بنائه الآن.
سادساً: ولادة الجديد تحتاج إلى صبر استراتيجي لا استعجال.
إن بناء فعل سياسي جديد حقيقي لا يتحقق بحرق المراحل أو بادّعاء القطيعة الفورية مع الأطر القائمة. فهذه الأطر، وإن باتت متقادمة وخارج سياق اللحظة التاريخية الراهنة، لن تتآكل بقرار أو بإعلان، بل بالتراكم التدريجي لبديل أجدر وأكثر صدقاً في تمثيل الناس والتعبير عن همومهم. ولذلك ينبغي أن يبدأ العمل بهدوء من القاعدة، بعيداً عن ضجيج التمثيل المبكر والتسرع في ادّعاء تجاوز منظمة التحرير والفصائل القائمة. فبلورة مشروع تحرري فلسطيني جديد تستدعي نقاشاً معمّقاً وهادئاً تشارك فيه أطياف واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وهو ما نفتقر إليه اليوم افتقاراً حاداً في ظل الانقسام العمودي والأفقي الذي يُمزّق الجسم الفلسطيني، وأزمة السلطة ومؤسساتها التي لم تجد بعد مخرجاً من نفق إعادة تعريف دورها ووظيفتها. فالمطلوب ليس الإعلان عن البديل قبل أوانه، بل المثابرة الصامتة على بناء شروط إنتاجه.