منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
في حي الشيخ رضوان شمال قطاع غزة، لم يكن الشاب محمود عقل (21 عاماً) يعلم أن عودته لتفقد منزله بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي ستقلب حياته رأساً على عقب، وتحوله خلال لحظات من شابٍ يملؤه الطموح إلى جسدٍ مثقل بالجراح والعجز.
تروي والدة محمود لشبكة مصدر الإخبارية تفاصيل الفاجعة بصوتٍ يملؤه الألم، قائلة إن ابنها عاد إلى المنزل ليتفقده بعد شهور من الحرب والدمار، وخلال تجواله بين الركام وجد جسماً بدا كأنه زجاجة عطر بين مخلفات الحرب المنتشرة في المكان. اقترب محمود منها وأمسكها بيده، دون أن يدرك أن الموت كان مختبئاً داخلها.
وخلال لحظات، دوّى انفجارٌ عنيف تبيّن لاحقاً أنه ناجم عن قنبلة من مخلفات الحرب صُممت على هيئة زجاجة عطر، ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة وخطيرة غيّرت حياته بالكامل.
وأدى الانفجار إلى بتر يد محمود اليمنى بالكامل، فيما فقد أصابع يده اليسرى، كما تعرضت عيناه لإصابات خطيرة؛ إذ فقد عينه اليمنى بشكل كامل، بينما أصبحت عينه اليسرى مهددة بفقدان البصر نتيجة وجود شظايا بداخلها، ويحتاج إلى عملية جراحية عاجلة لإنقاذ ما تبقى من نظره.
ولم تتوقف معاناة محمود عند هذا الحد، فما تزال الشظايا مستقرة في أجزاء متفرقة من جسده، وسط ظروف صحية كارثية يعيشها قطاع غزة، في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص الإمكانيات الطبية اللازمة لعلاجه.
وتقول والدته بحسرة:
“ابني اليوم صار مثل الطفل الصغير، يحتاجني في كل شيء. لا يرى بعينيه، واحدة انفجرت والثانية مليئة بالشظايا. دائماً يريدني بجانبي، أنا من أطعمه وأساعده في كل تفاصيل حياته.”
وأضافت بصوتٍ يملؤه القهر:
“قبل الحرب كان محمود شاباً في أول عمره، عنده أحلام وطموحات ومستقبل، لكن مخلفات الحرب سرقت إيديه وعيونه، وخلّته عاجز.”
وبحسب الأطباء، فإن حالة محمود الصحية معقدة وتحتاج إلى تدخلات جراحية وإمكانيات طبية غير متوفرة حالياً في مستشفيات القطاع المنهكة بفعل الحرب، ما يستدعي تحويله بشكل عاجل للعلاج خارج غزة لإنقاذ حياته وما تبقى من بصره.
وتناشد والدته الجهات الإنسانية والطبية وأصحاب الضمائر الحية التدخل العاجل لإنقاذ ابنها، وتمكينه من السفر للعلاج، قائلة:
“أناشد كل ضمير حي يساعد ابني حتى يطلع يتعالج خارج القطاع، ويعمل العمليات اللازمة لاستخراج الشظايا من صدره وعيونه… الحمد لله على كل حال، لكن قلبي يتقطع وأنا أشوف ابني بهذا الشكل.”
ولا تُعدّ حالة محمود سوى واحدة من آلاف الحالات الإنسانية التي تنتظر دورها في رحلة علاج شاقة وسط استمرار إغلاق المعابر وانهيار القطاع الصحي في غزة. فمخلفات الحرب التي تركها الاحتلال تحولت إلى قنابل موقوتة تهدد حياة المدنيين يومياً، خاصة الأطفال الذين يشكلون النسبة الأكبر من ضحايا هذه الأجسام المتفجرة المنتشرة بين المنازل والطرقات وركام الأحياء المدمرة.
وباتت هذه المخلفات تحصد أرواح الأبرياء وتخلّف إعاقات دائمة وإصابات كارثية، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة داخل قطاع غزة، حيث يعيش الجرحى والمرضى بين الألم وقلة الحيلة، بانتظار فرصة نجاة قد تأتي متأخرة.