دخلت رومانيا مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي بعد سقوط الحكومة المؤيدة لأوروبا إثر تصويت بحجب الثقة في البرلمان، في تطور يُعد من أبرز الأزمات السياسية التي تشهدها البلاد منذ أواخر عام 2024.
وصوّت 281 نائباً لصالح إسقاط الحكومة، متجاوزين بفارق كبير الأغلبية المطلوبة البالغة 233 صوتاً في البرلمان المؤلف من 464 مقعداً، بينما عارض أربعة نواب فقط القرار، في حين امتنع نواب الحزب الليبرالي الحاكم وشركاؤه في الائتلاف عن التصويت.
وجاء التصويت نتيجة تحالف غير معتاد بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليساري وحزب حزب الاتحاد من أجل رومانيا اليميني المتطرف، وهو ما أثار حالة من القلق داخل الأوساط الأوروبية بشأن تنامي التيارات المشككة بالاتحاد الأوروبي وصعود التحالفات غير التقليدية في القارة.
وكان رئيس الوزراء إيليا بولوزان قد انتقد بشدة خطوة حجب الثقة قبل التصويت، واصفاً إياها بأنها “انتهازية ومصطنعة”، مؤكداً أن الدول التي تواجه أزمات متتالية تحتاج إلى تعزيز استقرار حكوماتها لا إسقاطها.
وأشار بولوزان إلى أن حكومته اضطرت لاتخاذ إجراءات تقشفية صعبة لخفض الإنفاق الحكومي وتقليص العجز المالي، رغم إدراكها أن تلك السياسات لن تحظى بشعبية واسعة.
وتولى بولوزان رئاسة حكومة أقلية منذ أبريل/نيسان الماضي، بعد انسحاب الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أكبر الأحزاب البرلمانية، من الائتلاف الحاكم، قبل أن يتحالف لاحقاً مع المعارضة اليمينية المتطرفة لتقديم اقتراح حجب الثقة.
من جانبه، رحب زعيم حزب الاتحاد من أجل رومانيا جورج سيميون بنتائج التصويت، داعياً إلى إجراء انتخابات مبكرة، ومعتبراً أن “صوت الشعب قد سُمع”، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى أن فرص تنظيم انتخابات مبكرة لا تزال محدودة.
وأثارت الأزمة السياسية مخاوف اقتصادية متزايدة، بعدما شهدت العملة الرومانية انخفاضاً تاريخياً أمام اليورو، وسط قلق المستثمرين من تأثير عدم الاستقرار السياسي على قدرة الحكومة على خفض عجز الموازنة، الذي يُعد الأعلى في الاتحاد الأوروبي، والحفاظ على تدفق المساعدات الأوروبية التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات يورو سنوياً.
وكان الائتلاف الحاكم قد تشكل قبل نحو عشرة أشهر بهدف الحد من صعود اليمين المتطرف بعد سلسلة من الانتخابات التي اتسمت بالاستقطاب السياسي. ورغم نجاح الحكومة في خفض العجز المالي من 9.3% إلى 7.9%، فإن سياسات التقشف، بما في ذلك زيادة الضرائب وتجميد رواتب القطاع العام وتقليص الإنفاق، أثارت استياءً شعبياً وسياسياً واسعاً.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أكد الرئيس الروماني نيكوس دان أنه لا يؤيد إجراء انتخابات مبكرة، مشدداً على أن البلاد ستواصل نهجها المؤيد للغرب. وأعلن بدء مشاورات مع الأحزاب السياسية لتشكيل حكومة جديدة خلال فترة زمنية معقولة.
ومن المتوقع أن تتركز المشاورات المقبلة على إعادة تشكيل الائتلاف المؤيد لأوروبا بقيادة جديدة، أو تشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة أقلية تحظى بدعم برلماني خارجي، رغم التوقعات بأن تكون المفاوضات معقدة وطويلة.
وفي هذا السياق، أبدى الحزب الاشتراكي الديمقراطي استعداده للعودة إلى ائتلاف مؤيد لأوروبا بشرط تغيير رئيس الوزراء، فيما ظهرت انقسامات داخل الحزب الليبرالي حول مستقبل التعاون مع الاشتراكيين الديمقراطيين.
وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة سياسية ممتدة بدأت بإلغاء الانتخابات الرئاسية أواخر عام 2024، تلتها جولات انتخابية متوترة شهدت صعود اليمين المتطرف، قبل فوز الرئيس الحالي نيكوس دان في الجولة النهائية من الانتخابات الرئاسية.
ويرى محللون سياسيون أن رومانيا قد تحتاج إلى أسابيع طويلة قبل التوصل إلى صيغة حكومية جديدة، سواء عبر إعادة تشكيل الائتلاف السابق أو التوافق على حكومة أقلية مدعومة من أطراف خارجية.