تراهن إسرائيل بما يقارب ثلاثة أرباع مليار دولار على قدرتها في الخروج من أزمة السمعة عبر الخطاب الإعلامي والدبلوماسية العامة.
وقد وافق المشرّعون في القدس الشهر الماضي على ميزانية وطنية لعام 2026، تشمل نحو 730 مليون دولار مخصّصة للدبلوماسية العامة وهي الفئة الواسعة المعروفة بالعبرية باسم “الحسبارا”، أي ما يقارب خمسة أضعاف ما تم تخصيصه في العام السابق، والبالغ 150 مليون دولار. وكان ذلك المبلغ بحد ذاته نحو 20 ضعف ما أنفقته إسرائيل على هذه الجهود قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، عقب هجوم حماس على جنوب إسرائيل.
تراجع غير مسبوق في الدعم الأمريكي
ويأتي هذا الإنفاق غير المسبوق في وقت تُظهر فيه استطلاعات الرأي تراجعًا ملحوظًا في الدعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، الحليف الأهم لها. فقد أظهر استطلاع صادر عن مركز بيو للأبحاث أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، بزيادة سبع نقاط خلال عام واحد، فيما عبّر 37% فقط عن نظرة إيجابية.
واللافت في النتائج أن 57% من الجمهوريين دون سن الخمسين يحملون آراء سلبية تجاه إسرائيل، في تحول غير مسبوق لدولة لطالما حظيت بدعم الحزبين. كما تراجع التأييد بين غير المتدينين، والبروتستانت السود، والكاثوليك، وحتى بين اليهود الأمريكيين، حيث انخفض الدعم إلى أقل من الثلثين.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بات مصطلح “حسبارا” يُستخدم بشكل ساخر للإشارة إلى محاولات الدفاع عن إسرائيل، ما يعكس مدى انتشار وانتقاد هذه الجهود.
انعكاسات داخل الكونغرس الأمريكي
كما بدأ الكونغرس الأمريكي يعكس هذا التراجع في المزاج الشعبي، إذ صوّت 40 من أصل 47 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخرًا لمنع بيع جرافات بقيمة 295 مليون دولار لإسرائيل، فيما صوّت 36 عضوًا لحظر بيع قنابل تزن 1000 رطل، في خطوة تُعد من أقوى الانتقادات للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل حتى الآن.
“حرب على القلوب والعقول”
في المقابل، يرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن بلاده تخوض “حربًا عالمية على القلوب والعقول”، ما يستدعي زيادة الإنفاق على هذا المجال. وقال في تصريحات سابقة خلال مناقشات الميزانية: “حققنا اختراقًا هذا العام، لكن يجب أن نستثمر أكثر بكثير. يجب أن يكون ذلك بمستوى الاستثمار في الطائرات المقاتلة والقنابل وأنظمة الدفاع الصاروخي… هذه قضية وجودية”.
وبالتوازي مع الميزانية، حصل ساعر على موافقة لإنشاء وحدة متخصصة بالدبلوماسية العامة داخل وزارة الخارجية، يرأسها مسؤول رفيع المستوى، في خطوة تهدف إلى توحيد الجهود التي كانت موزعة سابقًا بين عدة وزارات.
أدوات جديدة: إعلام رقمي وذكاء اصطناعي
وتُظهر البيانات أن جزءًا من ميزانية 2025 خُصص للإعلانات الرقمية على منصات مثل جوجل ويوتيوب وإكس، إلى جانب تخصيص نحو 40 مليون دولار لاستضافة وفود أجنبية تضم سياسيين ورجال دين ومؤثرين وأكاديميين. كما تم إنشاء ما يُعرف بـ”غرفة حرب إعلامية” لمراقبة مئات وسائل الإعلام وآلاف المواد اليومية المتعلقة بإسرائيل.
كذلك، وقّعت وزارة الخارجية عقدًا بقيمة 1.5 مليون دولار شهريًا مع شركة يديرها الاستراتيجي السياسي براد بارسكال، لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مواجهة معاداة السامية على الإنترنت، إضافة إلى إطلاق حملات تستهدف جماعات دينية ومشاريع تعتمد على شبكة من المؤثرين.
شكوك حول جدوى الإنفاق
ورغم هذا التوسع في الإنفاق، يواجه النهج الإسرائيلي انتقادات من خبراء في الدبلوماسية العامة، الذين يشككون في قدرة الحملات الإعلامية على تغيير الانطباعات الدولية، معتبرين أن المشكلة أعمق وتتعلق بالسياسات على الأرض، وليس فقط بطريقة عرضها إعلاميًا.
ويرى هؤلاء أن إسرائيل تواجه ما يُعرف بـ”فجوة المصداقية”، حيث لم تعد الرسائل الرسمية تلقى ثقة الجمهور، بغض النظر عن حجم الإنفاق أو انتشار الحملات.
تحولات طويلة الأمد في الرأي العام
في المقابل، يقر مسؤولون إسرائيليون بأن التحدي معقد ولا يوجد له حل سريع، مؤكدين أن الاستثمار في تحسين الصورة الدولية سيستمر، بالتوازي مع أدوات إعلامية وثقافية جديدة، مثل الإنتاجات التلفزيونية والأفلام التي تتناول مواضيع مرتبطة بإسرائيل.
ومع ذلك، يحذر محللون من أن التحولات في الرأي العام، خصوصًا بين الشباب في الولايات المتحدة، قد تمثل تغيرًا طويل الأمد، يصعب معالجته عبر الدعاية وحدها، ما يضع إسرائيل أمام تحدٍ استراتيجي يتجاوز البعد الإعلامي إلى جوهر السياسات نفسها.