د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني
كان الطبيب يبحث عن معرّف للإصابة...جملة قصيرة، باردة، إدارية، لكنها كانت أشد قسوة من القذيفة التي بترت ساق أمي. في تلك اللحظة أدركت أن الحرب لا تنتهي حين يتوقف القصف؛ بل تبدأ أحيانًا داخل المكاتب، خلف الطاولات، حيث تتحول المأساة إلى خانة فارغة في نموذج إلكتروني تنتظر رقماً تعريفياً كي يسمح لها بالوجود.
لم تبدأ القصة يوم بُترت ساق أمي...بدأت يوم طُلب مني إثبات الألم.في زمنٍ تُبث فيه المأساة مباشرة على شاشات العالم، اكتشفتُ أن الجرح، كي يُعترف به رسميًا، يحتاج إلى معرّف.
لا يكفي أن تنزف...لا يكفي أن تفقد عضوًا من جسدك...لا يكفي أن تنجو من الموت مصادفة. بل يجب أن تحمل رقمًا… ختمًا… تعريفًا إداريًا يثبت أنك تألمت بطريقة قانونية.
مع بداية الإبادة على غزة، رفضت أمي مغادرة البيت في شمال القطاع.قالت عبارتها التي بدت آنذاك عنادًا عائليًا بسيطًا : "من بيتي للقبر… غير هيك ما باطلع." لم تكن عبارة تحدٍ سياسي، بل فلسفة حياة امرأة عاشت ما يكفي لتفهم أن النزوح ليس انتقالاً جغرافياً، بل اقتلاعٌ للروح. لم تكن تعرف أنها لا تدافع عن منزل فقط، بل عن آخر ما تبقى للإنسان حين يُطلب منه أن يتحول إلى حركة نزوح دائمة.
كنت في تونس أحاول إقناعها بالخروج...كنت أتكلم بلغة المنطق، وهي كانت تجيب بلغة الجذور. ولقد انتصرت الأرض يومها.
صمدت مثل آلاف بقوا في الشمال، حتى ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر 2023. ليلتها اجتاحت القوات الإسرائيلية المنطقة،وأُمروا الناس بالخروج نحو مدارس الوكالة في مخيم جباليا.
خرجت أمي وأبي وإخوتي مع الجموع، يسيرون في الاتجاه الذي حدده الجيش نفسه، ولكن بعد أمتار قليلة فقط…سقطت القذيفة.
لا أحد يسأل القذائف عن المنطق...هي لا تحتاج إلى معرّف. استشهد العشرات، وتناثرت الإصابات كأن الألم أصبح لغة جماعية.
أصيبت أمي بشظية في ساقها اليسرى أسفل الركبة. وقضت الليل كاملاً في بيت مقصوف، تختبئ من النار التي لم تتوقف إلا مع الفجر.
في الصباح، جرّها أخي على عربة يجرها حمار، باحثًا عن مستشفى في مدينة أُخرج فيها الطب نفسه من الخدمة.
لم يكن هناك مستشفى. ولم يكن هناك نظام صحي. ولم يكن هناك سوى محاولة بدائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحياة.
الهلال الأحمر قدم إسعافًا أوليًا،ثم اجتاحه الجيش في الليلة التالية.اعتُقل الشباب… وكان أخي بينهم. وتركت أمي وحدها...امرأة مصابة، مريضة سكري، تحاول أن تمنع جرحها من أن يتحول إلى موت بطيء...تعفّن الجرح.ولم يتعفن العالم...!
بعد أيام وصلت إلى مستشفى الشفاء، الخارج أصلًا عن الخدمة. نظر الأطباء إلى الساق… ثم إلى الواقع… ثم إلى المستحيل.
القرار الطبي كان واضحًا: البتر.
في السابع والعشرين من ديسمبر،فقدت أمي ساقها.ليس لأنها مريضة.بل لأن الحرب قررت أن الجسد الفلسطيني فائض عن الحاجة.بقيت ثلاثة أشهر في الشفاء،حتى الاجتياح الثاني.مرة أخرى، نجت. وكأن النجاة نفسها أصبحت عبئًا طويل الأمد.
سُجل اسمها لاحقًا للسفر للعلاج عبر منظمة الصحة العالمية...اتصلوا بي: يمكنها الخروج… لكن دون مرافق.
كيف يمكن للأم التي فقدت ساقها أن تسافر وحدها؟ رفضت.
قالوا: سنؤجل التحويلة.... في الحروب، حتى الرحمة تعمل بنظام الانتظار.
قبل أيام، طُلب تحديث التقرير الطبي. إجراء روتيني بسيط — هكذا ظننت.أجريت الفحوصات.
انتظرت التقرير...دخلت إلى الطبيب المسؤول. سألته: أين التقرير؟
نظر إليّ بهدوء مهني وقال:"التقرير يحتاج معرّف للإصابة."
لم أفهم. سألته: ماذا تقصد بمعرّف؟
قال:"يعني إثبات إنها إصابة من الاحتلال… الناس كذابة."
في تلك اللحظة أدركت شيئًا مرعبًا:
القذيفة لم تكن المشكلة... المشكلة أن الألم نفسه يحتاج شاهدًا رسميًا.
سألته بهدوء لم أعرف من أين جاء: هل تريد اسم الجندي الذي أطلق النار؟أم اسنخراج جثمان الطبيب الشهيدالذي بتر ساقها؟ أم أحضر لك شاهدًا من الشارع؟
من يُعرّف الكارثة؟الضحية… أم الجاني؟ قال الطبيب: "ما دخلني… مش عندي."
هكذا ببساطة. الإبادة تحدث هناك، لكن المسؤولية دائمًا تحدث في مكان آخر.
قلت له ساخرًا: صحيح… الضحايا كاذبون. وأمي بالتأكيد بترت ساقها بنفسها،
ربما طمعًا في مساعدة إنسانية.... اقترحت عليه أن يكون هو الشاهد.
فهو الوحيد الذي يرى الجرح ولا يصدقه.
لم يغضب. البيروقراطية لا تغضب. هي فقط تُؤجل الإنسانية حتى إشعار آخر. في غزة، لا يُطلب منك فقط أن تنجو من الموت...يُطلب منك أن تثبت أنك تستحق النجاة.
الجرحى الذين تُرفع صورهم في المؤتمرات الصحفية،.. يتحولون لاحقًا إلى ملفات ناقصة، وأرقام تحتاج إلى تصديق إداري. الإبادة تقتل الجسد مرة، لكن البيروقراطية تعيد قتله بهدوء… مرات لا تُحصى.
أدركت أخيرًا أن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف أُصيبت أمي؟ بل:من يملك حق الاعتراف بالألم؟ لأن أكثر ما يؤلم في زمن الكارثة، ليس فقدان الساق…بل اضطرارك لإثبات أنك فقدتها حقًا.