د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني
لم تعد الأرض في التجربة الفلسطينية مجرد امتداد جغرافي يُقاس بالحدود أو يُعرَّف بالخرائط؛ لقد تحولت، عبر تاريخ طويل من الاقتلاع ومحاولات المحو، إلى بنية وجودية تسكن الإنسان بقدر ما يسكنها. فالفلسطيني لا يقف على الأرض بوصفه مالكًا لها، بل بوصفه استمرارًا لها؛ علاقة تتجاوز مفهوم السيادة إلى معنى الكينونة ذاتها. كل محاولة لقطع الصلة بين الإنسان وأرضه لم تنتج انفصالًا حقيقيًا، بل أعادت تشكيل العلاقة على مستوى أعمق، حيث تصبح الأرض ذاكرة حيّة، وهوية متجسدة، ونظام معنى يرفض التفكك حتى حين يتفكك المكان ماديًا.
في السياق الغزّي، وبعد الإبادة وما رافقها من اقتلاع وتدمير شامل، شهد مفهوم الأرض تحولًا فلسفيًا حادًا؛ إذ لم تعد الأرض فقط ما يُدافع عنه، بل ما يُعاد تخيّله وإعادة بنائه داخل الوعي الجمعي كل يوم. حين يُمحى البيت، لا تختفي الأرض، بل تنتقل من الحجر إلى الذاكرة، ومن الجغرافيا إلى الشعور الأخلاقي بالانتماء. الأرض هنا لم تعد موقع الاستقرار، بل شرط الاستمرار؛ ليست مكان العيش فحسب، بل المعنى الذي يمنع السقوط في العدم.
لقد سعت مشاريع العنف الاستعماري إلى تفكيك العلاقة بين الفلسطيني وأرضه عبر تحويلها إلى مساحة خوف أو ركام أو مؤقتٍ قابل للإخلاء، غير أن المفارقة تكمن في أن الألم نفسه أعاد إنتاج الأرض بوصفها تجربة داخلية لا يمكن مصادرتها. فكل خيمة نُصبت فوق الأنقاض، وكل عودة متكررة إلى حيٍّ مدمّر، وكل تمسك باسم شارع لم يعد موجودًا، هو فعل فلسفي قبل أن يكون سلوكًا يوميًا؛ إعلان صامت بأن الأرض ليست ما يبقى تحت الأقدام، بل ما يبقى داخل المعنى.
وهكذا، يغدو يوم الأرض في الوعي الفلسطيني المعاصر ليس احتفالًا بالمكان، بل مقاومة لفكرة الاقتلاع ذاتها. الأرض لم تعد مجرد حيز مكاني، بل علاقة أخلاقية بين الإنسان وتاريخه، بين الجسد وذاكرته، بين الفقد والإصرار على البقاء. إنها المجال الذي يثبت فيه الفلسطيني أن الانتماء لا يُقاس بسلامة العمران، بل بقدرة الروح على تحويل الخراب إلى استمرار، والغياب إلى حضور، والمحو إلى شكلٍ آخر من أشكال الوجود.