ترجمات - مصدر الإخبارية
في ظل تخطيط الولايات المتحدة لعملية عسكرية تهدف إلى السيطرة على جزيرة خرج، في محاولة للضغط على إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، تشهد أسواق الطاقة العالمية اضطرابًا ملحوظًا، بالتزامن مع قيام شركات طيران دولية بتقليص رحلاتها، وتفعيل عدد من الدول خطط طوارئ لترشيد استهلاك الطاقة. ولم تقتصر تداعيات الأزمة الناتجة عن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران على الأسواق العالمية، بل بدأت آثارها تتجلى بوضوح في دول الشرق الأوسط.
حتى في حال التوصل إلى حل سريع لأزمة مضيق هرمز، فإن انعكاساتها على أسواق الطاقة المحلية ستكون قاسية. أما إذا استمرت الأزمة وتفاقمت، فقد تتحول إلى عامل خطير يهدد الاستقرار في عدد كبير من دول المنطقة.
في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مع نهاية الأسبوع، أنه ابتداءً من 28 مارس ولمدة شهر، ستلتزم المطاعم والمتاجر والمقاهي ومراكز التسوق بالإغلاق عند الساعة التاسعة مساءً. وتعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، وقد واجهت خلال السنوات الأخيرة نقصًا في الإمدادات. ومع تفاقم الأزمة الحالية، تسعى الحكومة إلى تجنب انقطاعات واسعة للكهرباء عبر تقليص الاستهلاك في القطاعات غير الأساسية.
وفي الأيام الأولى للحرب، خفّض بنك الاستثمار «مورغان ستانلي» التصنيف الاستثماري لكل من مصر والإمارات، في حين رفع تصنيف السعودية. ويعود ذلك أساسًا إلى تزايد المخاطر السياسية والأمنية في المنطقة. وقد كانت مصر من بين أكثر الأسواق تأثرًا، حيث شهدت بورصتها تراجعًا حادًا، بالتوازي مع تصاعد مظاهر عدم الاستقرار في قطاع الطاقة.
أما في الأردن، فقد بدأت مؤشرات الضغوط الاقتصادية بالظهور، إذ أعلنت الحكومة أن الخسائر اليومية الناجمة عن أزمة الطاقة تبلغ نحو 3.5 مليون دولار. ويعود ذلك إلى الارتفاع الكبير في تكاليف استيراد الوقود، والاعتماد المتزايد على بدائل مرتفعة الكلفة لإنتاج الكهرباء، في ظل تراجع مصادر الطاقة التقليدية التي كانت تعتمد عليها البلاد.
وأكدت مصادر رسمية أن الحكومة تعمل على الحد من تداعيات الأزمة عبر خطط طوارئ تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، إلى جانب تحركات دبلوماسية لإيجاد حلول إقليمية تضمن استقرار الإمدادات. ومع ذلك، فإن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الكهرباء والسلع الأساسية.
وبسبب تراجع إمدادات الغاز الطبيعي إلى الأردن — الذي يعتمد جزئيًا على الغاز القادم من إسرائيل، حيث توقفت منصات الإنتاج منذ اندلاع الحرب — بدأت تداعيات الأزمة تمتد إلى سوريا أيضًا، التي تعاني أصلًا من بنية تحتية مدمرة وأزمة مالية حادة. ورغم تأكيد وزير الطاقة السوري في بداية الأزمة عدم وجود نقص فوري، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى نقص حاد في الطاقة في كل من سوريا ولبنان، خاصة في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة.
العراق بدوره يُعد من أكثر الدول هشاشة في هذا السياق، نظرًا لاعتماده شبه الكامل على الغاز الإيراني، إلى جانب ضعف بنيته التحتية. ومع تعطل الإمدادات، أصبح من الصعب إيجاد بدائل سريعة، خصوصًا مع اقتراب فصل الصيف. وقد أدى ذلك بالفعل إلى فقدان نحو 3100 ميغاواط من القدرة الكهربائية، وحدوث انقطاعات واسعة في بغداد ومدن أخرى.
وكما هو معتاد في مثل هذه الأزمات، فإن الدول الأكثر ثراءً وقدرة ستكون أكثر قدرة على التكيف، بينما ستتضرر الدول الفقيرة والهشة بشكل أكبر، لا سيما تلك التي تُصنف ضمن الدول الفاشلة، مثل سوريا ولبنان والعراق. وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الفوضى، وفتح المجال أمام تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة.
ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن حتى الدول الأقوى في المنطقة لن تكون بمنأى عن التداعيات. فمصر، التي تعاني أصلًا من أزمة طاقة مزمنة، كانت تراهن على اتفاقيات الغاز مع إسرائيل لتحسين وضعها، إلا أن توقف الإنتاج لفترة طويلة سيؤثر سلبًا على الأسواق في مصر والأردن، وربما يمتد إلى دول أخرى.
كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يعرقل مشاريع التعاون الإقليمي، مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، ويضعف فرص تحقيق تغييرات سياسية في دول مثل سوريا ولبنان، فضلًا عن تأثيره السلبي على الأنظمة الحليفة للغرب.
ولا يزال من غير الواضح مدى إدراك واشنطن لحجم التداعيات المحتملة لهذه الحرب، خاصة في حال ردّت إيران بإغلاق مضيق هرمز، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي واستقرار الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس دونالد ترامب عن قرب انتهاء الحرب، تستمر الولايات المتحدة في إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
حتى الآن، لا تزال مظاهر الأزمة تقتصر على إجراءات “ناعمة” نسبيًا، مثل تقليص ساعات العمل وترشيد الاستهلاك. لكن استمرار الحرب لفترة أطول قد يحول أزمة الطاقة إلى عامل حاسم يقود إلى اضطرابات إقليمية واسعة وغير مسبوقة.
وفي غياب استجابة شاملة، تجمع بين الحلول الاقتصادية والدبلوماسية، قد تؤكد هذه الأزمة مرة أخرى مدى ترابط العالم المعاصر، حتى في أكثر مناطقه انقسامًا واضطرابًا.