ترجمات - مصدر الإخبارية
الهجمات الأخيرة التي شنّها دونالد ترامب على حلف الناتو جاءت حادّة وغير معتادة، حتى بمعاييره الشخصية. فقد صرّح هذا الأسبوع قائلاً: “لم نكن بحاجة إليهم على الإطلاق”، وذلك بعد أن طلب من الحلف ودول أخرى حليفة للولايات المتحدة المساعدة في تأمين مضيق هرمز — من دون التشاور معهم مسبقًا قبل الهجوم على إيران — لكنه قوبل بالرفض. وأضاف في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد ارتكبوا خطأً غبيًا”.
كما أعلن أن “الناتو، من دون الولايات المتحدة، ليس سوى نمر من ورق”، معبّرًا عن استيائه من رفض الدول الأعضاء المشاركة في القتال ضد إيران. وكتب: “يشكون من ارتفاع أسعار النفط التي يدفعونها، لكنهم لا يريدون المساعدة في فتح مضيق هرمز. إنها عملية عسكرية بسيطة، وهي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط. الأمر سهل جدًا بالنسبة لهم، ومخاطره محدودة للغاية”، مختتمًا بالقول: “جبناء، وسنتذكر ذلك”.
في صميم حلف الناتو تكمن المادة الخامسة، التي لم تُفعَّل سوى مرة واحدة خلال 75 عامًا. وغالبًا ما يصفها مسؤولو الحلف بشعار “الفرسان الثلاثة”: “واحد للجميع، والجميع للواحد”، أو بصياغتها الرسمية: “أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء يُعد هجومًا على الجميع”.
ورغم تكرار ذكر المادة الخامسة في الأخبار، فإن هذا المصطلح القانوني الجاف لا يعكس قوتها الحقيقية. فالحلف، الذي تأسس عام 1949، يضم اليوم 32 دولة عابرة للقارات، وتفوق قوته العسكرية مجتمعة قدرات روسيا والصين، كما يشمل ثلاث دول نووية. وعند الحاجة، يمكنه حشد نحو 3.5 مليون جندي.
خلال الأسبوع الأول من الحرب، أطلقت إيران ثلاثة صواريخ باتجاه تركيا، العضو الشرقي الأبرز في الناتو، واخترق اثنان منها على الأقل أجواءها. وقد نجحت أنظمة الدفاع التابعة للحلف في اعتراض جميع الصواريخ، إلا أن الحادثة أعادت فتح النقاش حول المادة الخامسة، وما إذا كانت تمثل اختبارًا حقيقيًا للحلف. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تُفعَّل رغم اختراق الحدود التركية؟
يرى الدكتور جون داني، أستاذ دراسات الأمن في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، أن الصواريخ ربما لم تكن موجهة فعليًا إلى الأراضي التركية، أو أُطلقت عن طريق الخطأ. كما يطرح احتمالًا آخر، وهو أن تركيا نفسها لم ترَ ضرورة لتفعيل المادة. ويوضح أن هذه المادة ليست تلقائية التطبيق؛ إذ يتعين على الدولة أولًا أن تقرر ما إذا كانت قد تعرضت لهجوم، ثم تتوجه عادةً إلى قيادة الناتو عبر ممثلها الدبلوماسي.
ويُعدّ حادث سقوط صاروخ روسي في بولندا عام 2022، الذي أسفر عن مقتل شخصين، مثالًا حديثًا على ذلك. فقد قررت بولندا أن الحادث لا يستدعي تفعيل المادة الخامسة. ويؤكد داني أن القرار في هذا الشأن سياسي بالدرجة الأولى، وليس تلقائيًا أو بديهيًا كما يظن البعض. أما في حال حدوث هجوم واضح، مثل عبور دبابات حدود دولة عضو، فسيكون التفعيل أكثر ترجيحًا.
من الناحية القانونية، لا توجد صلة مباشرة بين أزمة مضيق هرمز وتفعيل المادة الخامسة، إذ لا تُعدّ الأزمة هجومًا على الحلف، كما أن نطاق تطبيق الدفاع الجماعي محدد جغرافيًا ولا يشمل المنطقة.
ومع ذلك، فإن انتقادات ترامب تعكس توترًا أعمق يتعلق بمفاهيم الثقة والالتزام المتبادل داخل الحلف، وهي عناصر أساسية في فلسفة المادة الخامسة. ويرى مراقبون أن تصريحاته قد تُضعف هذه الثقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من تذبذب الموقف الأمريكي.
في هذا السياق، يشير البروفيسور ستيفن والت، خبير العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، إلى أن ميل الولايات المتحدة للدخول في الحروب لا يرتبط بالناتو بقدر ما يرتبط بعوامل داخلية، مثل توسّع صلاحيات الرئيس، وانخفاض الكلفة البشرية للحروب الحديثة، وإمكانية تنفيذ ضربات دقيقة دون نشر قوات برية.
ويضيف أن هذا التوجه يعززه شعور بالتفوق والقوة، إلى جانب تأثيرات داخلية من جماعات ضغط وتيارات سياسية تسعى لتوظيف القوة الأمريكية في خدمة مصالحها.
ورغم ذلك، فإن تصريحات ترامب التي تثير الشكوك حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها قد تدفع أوروبا إلى السعي نحو قدر أكبر من الاستقلال العسكري، وإن كان ذلك لا يزال مسارًا طويلًا.
من جهة أخرى، يشير داني إلى أن انتقادات ترامب بشأن نقص الدعم في مضيق هرمز تعكس حاجة فعلية، خاصة في ظل تراجع قدرات البحرية الأمريكية في بعض المجالات، مثل كاسحات الألغام. لكنه يوضح أن هذه التصريحات تعبر عن موقف شخصي، لا عن سياسة مؤسسية.
كما يؤكد أن القول بأن الناتو لم يدعم الولايات المتحدة غير صحيح، مشيرًا إلى أن المادة الخامسة فُعّلت مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر، بناءً على طلب أمريكي، وشمل ذلك دعمًا عسكريًا مباشرًا، مثل نشر طائرات إنذار مبكر فوق أمريكا الشمالية.
في ما يتعلق بتقاسم الأعباء الدفاعية، يلفت داني إلى أن مطالب ترامب ليست جديدة، إذ دأب الرؤساء الأمريكيون منذ تأسيس الحلف على الدعوة إلى توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات. ومع ذلك، فإن أسلوب ترامب الحاد قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ويحذر من أن مهاجمة الحلفاء علنًا قد تؤدي إلى ظهور معارضة سياسية داخل دول الناتو، وتقويض الثقة في القيادة الأمريكية، وهو ما قد يضعف تماسك الحلف على المدى الطويل.
في المقابل، يرى البعض أن القيادة الحالية للناتو تحاول الحفاظ على التوازن في التعامل مع الإدارة الأمريكية، حتى لو استدعى ذلك استخدام لغة دبلوماسية مرنة. ويختتم داني بأن الناتو، بوصفه منظمة سياسية وعسكرية في آن واحد، يحتاج إلى قيادة قادرة على إدارة هذه التحديات المعقدة والحفاظ على وحدة الحلف.