د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني
يكاد لا يخلو خطاب سياسي فلسطيني من العبارة المألوفة "ضرورة إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية"، تُقال الجملة بثقة، وتُكتب في البيانات بوقار، وتُكرر في المؤتمرات كأنها حقيقة مكتملة المعنى. لكن ما إن نحاول التوقف قليلاً أمامها حتى نكتشف مفارقة لافتة: الجميع يطالب بالتفعيل، وقليلون فقط يعرفون ماذا يعني ذلك فعلاً.
فـ"التفعيل" في الحالة الفلسطينية يشبه إلى حد بعيد كلمة سحرية؛ كل طرف ينطق بها وهو يقصد شيئاً مختلفاً تماماً. هناك من يرى أن التفعيل يعني ببساطة فتح أبواب المنظمة أمام قوى كبرى بقيت خارجها طويلاً، مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وكأن المشكلة التاريخية للمنظمة تختزل في عدد المقاعد حول الطاولة. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن التفعيل لا يتحقق إلا عبر انتخابات شاملة تعيد إنتاج القيادة وتضخ في شرايين المؤسسة شرعية جديدة، باعتبار أن مؤسسة بلا تفويض شعبي متجدد تشبه حكومة تعمل ببطارية منتهية الصلاحية.
أما فريق ثالث، فيذهب إلى ما هو أبعد قليلاً، فيقترح قانون أحزاب أو إعلاناً دستورياً أو صيغاً جديدة لتنظيم الفعل السياسي الفلسطيني، وكأن المنظمة لم تعد بحاجة إلى التفعيل بقدر ما تحتاج إلى إعادة تعريف وظيفتها بالكامل.
وبين هذه المقترحات جميعاً، يظل مصطلح "التفعيل" عالقاً في منطقة رمادية بين السياسة والبلاغة. فهو عند البعض إدماج، وعند آخرين انتخاب، وعند فريق ثالث إعادة تأسيس. وهكذا تتحول الكلمة إلى مظلة واسعة تسمح لكل تيار أن يضع تحتها ما يشاء من أفكار، دون أن يضطر إلى الاتفاق مع الآخرين على معنى محدد.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن الفلسطينيين يناقشون منذ سنوات كيفية تفعيل المنظمة قبل أن يتفقوا حتى على ما إذا كانت المشكلة في غيابها أم في شكل حضورها. فهل المطلوب توسيعها؟ أم تجديد قيادتها؟ أم إعادة بناء النظام السياسي كله من حولها؟
في ظل هذا الغموض، تبدو عبارة "إعادة تفعيل منظمة التحرير" أقرب إلى شعارٍ لغوي أنيق منه إلى مشروع سياسي واضح؛ شعار يصلح لكل مناسبة، ويمنح المتحدث شعوراً بالمسؤولية التاريخية، لكنه في النهاية يترك السؤال الحقيقي معلقاً بلا إجابة:
كيف يمكن تفعيل مؤسسة لم نتفق بعد على معنى تفعيلها، ولا على الدور الذي نريدها أن تؤديه في زمن تغيّرت فيه السياسة الفلسطينية أكثر مما تغيّرت لغتها؟