إعداد: مصطفي إبراهيم - مصدر الإخبارية
مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران يومها الثالث عشر، بدأت الصحافة الإسرائيلية والخبراء والمحللون العسكريون يغيرون نبرة التحليلات بوضوح. فبعد الخطاب الأولي الذي تحدث عن ضربة تاريخية، تظهر اليوم دعوات صريحة إلى خفض التوقعات؛ إيران لم تسقط، والجماهير لم تنزل إلى الشوارع، والحرب بدأت تتحول إلى صراع متعدد الجبهات ومستمر، وفقاً لما أوضحه المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل والخبير الاستراتيجي دافيد جندلمان.
حدود الضربات وأزمة الملف النووي
يؤكد عاموس هرئيل أن الضربات الأميركية والإسرائيلية، وخاصة قصف منشأة "فوردو" وتدمير موقع "تالكان" في بارشين، ألحقت ضرراً كبيراً بالبرنامج النووي. لكن "البطاطا الساخنة" لا تزال موجودة: 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% موزعة في مواقع محصنة، مما يعني أن إيران لم تبتعد كثيراً عن القدرة النووية.
من جانبه، يرى دافيد جندلمان أن النجاح العسكري الحالي يركز على تقليص القدرات الصاروخية وتقويض منظومات القيادة والسيطرة للحرس الثوري. فإيران لا تزال تطلق الصواريخ بمعدلات منخفضة (نحو 20 صاروخاً يومياً)، وهو ما يعتبره جندلمان تكتيكاً لاستنزاف الدفاعات الجوية بانتظار لحظة التصعيد الكبرى، بينما تستمر القوات الجوية في استهداف منصات الإطلاق والصناعات العسكرية في موجات متتالية.
الرهان السياسي: إسقاط النظام لم يتحقق
يشير هرئيل إلى أن الأمل في إسقاط النظام استند إلى "تفكير متفائل أكثر من اللازم". فالمراهنة على خروج الجماهير الإيرانية للشارع اصطدمت بقبضة أمنية حديدية (الباسيج والأمن الداخلي). كما أن "معجزة الأكراد" التي روجت لها بعض الأوساط الإسرائيلية كقوة ستنزل من الجبال لتهز النظام لم تتحقق، مما كشف عن فجوة بين التوقعات الاستخباراتية والواقع الميداني.
في المقابل، يوضح جندلمان أن النظام الإيراني نقل المعركة إلى ساحة "حرب الناقلات"، مستخدماً الزوارق المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن في مضيق هرمز. هذا التكتيك لم يرفع أقساط التأمين إلى 12 ضعفاً فحسب، بل وضع إدارة ترامب في مأزق أمام الناخب الأميركي المتضرر من ارتفاع أسعار الوقود.
الجبهة اللبنانية: من "الثانوية" إلى "الرئيسية"
في لبنان، يتجلى التعقيد بوضوح؛ فحزب الله، رغم تآكل قدراته الصاروخية إلى نحو 25% من قوته السابقة، لا يزال قادراً على إطلاق مئات الصواريخ (كما حدث ليلة الأربعاء بإطلاق 220 صاروخاً). يوضح جندلمان أن وحدات "رضوان" اعتمدت تكتيك "خلايا حرب العصابات" بدلاً من الهجوم الشامل، مما يجعل المهمة الدفاعية للجيش الإسرائيلي معقدة.
ورغم أن التوجه العسكري كان يعتبر لبنان جبهة ثانوية، إلا أن هرئيل ينقل عن قادة عسكريين وصفهم لها الآن بأنها "جبهة رئيسية إضافية". ومع نزوح نحو مليون لبناني، يتحضر الجيش الإسرائيلي لمناورة برية واسعة جنوب نهر الليطاني لتأمين الحدود، وسط مطالبات من رؤساء المجالس المحلية بعدم الثقة بأي ترتيبات دبلوماسية لا يضمنها الجيش ميدانياً.
المطبخ السياسي والبحث عن "صورة نصر"
بعد ثلاثة عشر يوماً، يتضح أن التفوق التكنولوجي لم يحسم المعركة سياسياً. الرهان على انهيار النظام تراجع أمام واقع استنزاف الجبهة الداخلية واقتصاد الحرب الذي يكلف المليارات.
وفي هذا السياق، يورد عاموس هرئيل ملاحظة جوهرية: إن عودة رون ديرمر، المقرب من نتنياهو، إلى النشاط المكثف في إدارة الأزمة، تشير إلى أن "المطبخ السياسي" بدأ يبحث فعلياً عن مخارج دبلوماسية. الهدف الآن هو صياغة "صورة نصر" تسمح لترامب ونتنياهو بالنزول عن الشجرة، عبر اتفاق يفرض قيوداً قاسية على اليورانيوم المخصب وينهي أزمة الطاقة، بعيداً عن أوهام السقوط السريع للنظام التي تشتت الانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحاً.