في وقت تتزاحم فيه أزمات الشرق الأوسط، من التوترات مع إيران إلى الهشاشة الأمنية في غزة ولبنان وسوريا، تبرز الضفة الغربية باعتبارها الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال. فمنذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب في غزة، تسارعت خطوات الحكومة الإسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية عبر إجراءات يعتبرها مراقبون ضمًا فعليًا متدرجًا.
تشريعات جديدة تعمّق السيطرة
وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو مؤخرًا على حزمة إجراءات تمنح إسرائيل صلاحيات أوسع في إدارة الأراضي المصنفة (أ) و(ب)، التي كانت خاضعة إداريًا لـالسلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو. كما تقرر تخفيف القيود على بيع الأراضي للمستوطنين، في خطوة اعتبرها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش جزءًا من مسار يهدف إلى “القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية”.
وتأتي هذه التطورات وسط تسارع في إقرار مشاريع استيطانية جديدة، خاصة في الممر المعروف باسم E1 الذي يربط القدس الشرقية بمستوطنة معاليه أدوميم، ما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره خطوة قد تقطع التواصل الجغرافي للضفة الغربية.
تصاعد الاستيطان وعنف المستوطنين
تشير بيانات بحثية إسرائيلية إلى ارتفاع غير مسبوق في الموافقات على بناء وحدات استيطانية منذ عام 2023، مع تقنين بأثر رجعي لعشرات البؤر الاستيطانية. كما ارتفعت اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، في ظل انتقادات لضعف إنفاذ القانون بحق المتورطين.
ويرى محللون أن هذه السياسة لا تقتصر على توسيع المستوطنات، بل تهدف إلى إعادة هندسة المجال الجغرافي والإداري للضفة بما يجعل أي حل قائم على دولتين أكثر تعقيدًا.
هشاشة السلطة الفلسطينية
اقتصاديًا، تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية حادة، تفاقمت مع استمرار تعليق تحويل عائدات الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها بموجب بروتوكول باريس. وقد أدى ذلك إلى دفع رواتب جزئية للموظفين وتقليص خدمات أساسية مثل التعليم والصحة.
أمنيًا، يعتمد الاستقرار النسبي في الضفة الغربية على التنسيق بين أجهزة الأمن الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، وهو تنسيق حال دون اندلاع انتفاضة واسعة حتى الآن. غير أن إضعاف مؤسسات السلطة قد يهدد هذا التوازن الهش، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، الذي يرتبط تقليديًا بتصاعد التوتر حول المسجد الأقصى/الحرم الشريف في القدس الشرقية.
تداعيات إقليمية ودولية
تنعكس التطورات في الضفة أيضًا على المسار السياسي الأوسع، بما في ذلك خطة السلام التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، والتي تفترض عودة سلطة فلسطينية “مُصلحة” لإدارة القطاع. ويشير مراقبون إلى أن انهيار السلطة في الضفة سيقوّض أي ترتيبات مستقبلية لإدارة غزة أو إعادة إعمارها.
في المقابل، تواجه القيادة الفلسطينية تحديات داخلية تتعلق بالإصلاح والشفافية واستعادة الثقة الشعبية. وكان رئيس السلطة محمود عباس قد أعلن نية إجراء انتخابات للمجلس الوطني التابع لـمنظمة التحرير الفلسطينية، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لتعزيز الشرعية المؤسسية.
سباق مع الزمن
يرى محللون أن تجنب انفجار واسع في الضفة الغربية لا يتطلب حلًا نهائيًا للصراع بقدر ما يحتاج إلى إجراءات عاجلة: استئناف تحويلات الضرائب، كبح عنف المستوطنين، تجميد مشاريع استيطانية حساسة، ودعم إصلاحات فلسطينية داخلية. كما يُتوقع أن تلعب أطراف إقليمية مثل الإمارات العربية المتحدة والأردن دورًا في احتواء التوترات، خصوصًا خلال شهر رمضان.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الضفة الغربية أمام لحظة مفصلية: إما احتواء التدهور عبر خطوات سياسية وأمنية متوازنة، أو الانزلاق نحو دورة جديدة من العنف قد تمتد آثارها إلى الإقليم بأسره.