شبكة مصدر الاخبارية

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
الرئيسية فلسطينيو 48 شؤون إسرائيلية عربية وإقليمية اقتصاد تكنولوجيا تقارير خاصة رياضة منوعات إتصل بنا
الرئيسية أقلام بين أوسلو والطوفان: مأزق العقل السياسي الفلسطيني

د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

بين أوسلو والطوفان: مأزق العقل السياسي الفلسطيني

10 فبراير 2026 12:00 م
Facebook X (Twitter) WhatsApp
د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

د. طلال أبو ركبة - باحث وأكاديمي فلسطيني

ليست المأساة الفلسطينية نتاجًا لتعدد الخيارات السياسية، بل نتيجة لانهيار المعنى السياسي لهذه الخيارات. فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب البدائل، بل في غياب العقل السياسي القادر على تحويل الصراع إلى استراتيجية، والتاريخ إلى مشروع، والهوية إلى قوة سياسية واعية بذاتها؛ لقد امتلك الفلسطيني فائضًا من التضحيات، لكنه افتقد إلى الخيال السياسي القادر على تحويل التضحيات إلى أفق تحرري منظم، وعلى تحويل الألم إلى قوة تاريخية، والذاكرة إلى سياسة.

تتجسد هذه الأزمة في التجربة الفلسطينية المعاصرة بأوضح صورها في الثنائية التي تحاصر الوعي السياسي بين أوسلو والطوفان، بين خطاب الواقعية وخطاب المقاومة، غير أن هذه الثنائية ليست تعبيرًا عن اختلاف مشروعين متكاملين، بل عن غياب المشروع ذاته. فأوسلو لم تكن انتقالًا عقلانيًا من الثورة إلى الدولة، بل انتقالًا من التحرير إلى إدارة الاحتلال؛ والطوفان لم يكن لحظة استراتيجية في مسار تحرري طويل، بل انفجارًا رمزيًا هائلًا في فراغ سياسي عميق.

ومع ذلك، فإن اختزال أوسلو والطوفان في كونهما شكلين من العجز السياسي لا يكفي لفهم الفارق التاريخي بينهما. فبين الحدثين مسافة زمنية وسياسية لا تكشف اختلاف السياق بقدر ما تكشف وحدة المأزق.

لقد جاءت أوسلو في لحظة هزيمة عربية تاريخية، وانهيار شبه كامل للمشروع القومي العربي، وفي سياق تفكك النظام الإقليمي القديم وبروز نظام دولي أحادي القطبية بعد الحرب الباردة، حيث كانت المنطقة بأسرها تتجه نحو التسوية بوصفها أفقًا وحيدًا ممكنًا، وكانت الأنظمة العربية تعيد تعريف علاقتها بالصراع مع إسرائيل من موقع الانكفاء لا المواجهة.

في تلك اللحظة، حاول الفلسطينيون أن يجدوا لأنفسهم موقعًا داخل هندسة النظام الدولي الجديد، وأن ينتزعوا مساحة سياسية في عالم لم يعد يعترف إلا بمنطق التسويات الكبرى؛ لم تكن أوسلو، إذًا، مجرد خيار فلسطيني حر، بل تعبيرًا عن توازن قوى دولي وإقليمي فرض على الفلسطينيين إعادة تعريف سقف الممكن السياسي.

أما الطوفان، فقد جاء في لحظة مختلفة ظاهريًا، لكنها أكثر تعقيدًا بنيويًا، لم يكن نتاج توافق إقليمي، ولا تعبيرًا عن استراتيجية عربية أو دولية، بل خطوة فلسطينية أحادية في سياق تفكك النظام الإقليمي ذاته، وتراجع القضية الفلسطينية من مركز الاهتمام العربي، وصعود صراعات داخلية عربية، وتحول فلسطين إلى ملف هامشي في حسابات القوى الكبرى. لقد جاء الطوفان بوصفه محاولة قسرية لإعادة القضية إلى مركز التاريخ، لا إلى هامش الجغرافيا السياسية.

غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن الحدثين، على اختلاف شروطهما التاريخية، التقيا في النتيجة السياسية ذاتها: غياب المشروع الوطني الجامع. ففي أوسلو، حاول الفلسطيني أن يتكيّف مع نظام دولي جديد دون امتلاك رؤية استراتيجية قادرة على تحويل التسوية إلى مسار تحرري. وفي الطوفان، حاول الفلسطيني أن يكسر هذا النظام عبر فعل صادم دون امتلاك مشروع سياسي قادر على تحويل الصدمة إلى تاريخ.

بهذا المعنى، لم تكن أوسلو استسلامًا خالصًا، كما لم يكن الطوفان تحريرًا خالصًا. كلاهما كان تعبيرًا عن محاولة فلسطينية للنجاة داخل شروط تاريخية قاسية، لكن المشكلة لم تكن في المحاولة، بل في غياب العقل السياسي القادر على تحويل اللحظة إلى مشروع، والحدث إلى استراتيجية، والقوة إلى سياسة.

لقد كان الفرق بين أوسلو والطوفان فرقًا في السياق لا في الجوهر؛ فرقًا بين محاولة الدخول إلى النظام الدولي من بوابة التسوية، ومحاولة اقتحامه من بوابة الصدمة. لكن في الحالتين، ظل الفلسطيني أسيرًا لمنطق اللحظة، لا صانعًا للتاريخ؛ أسيرًا للتوازنات، لا منتجًا لمعادلات جديدة.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن المأساة الفلسطينية ليست مأساة خيارات خاطئة فحسب، بل مأساة غياب القدرة على قراءة اللحظة التاريخية قراءة استراتيجية. ففي لحظة أوسلو، لم يُطرح السؤال: كيف نحول التسوية إلى أداة لتحرير تدريجي؟ وفي لحظة الطوفان، لم يُطرح السؤال: كيف نحول الصدمة إلى مسار سياسي طويل الأمد؟

وهنا تتجلى الأزمة في معناها الأعمق: الفلسطيني لم يعجز عن المقاومة، بل عجز عن تحويل المقاومة إلى سياسة؛ ولم يعجز عن التفاوض، بل عجز عن تحويل التفاوض إلى مشروع تحرري. وبين أوسلو والطوفان، ظل السؤال المؤجل حاضرًا: كيف يمكن لشعب واقع تحت استعمار استيطاني أن ينتج عقلًا سياسيًا قادرًا على الجمع بين الواقعية والتمرد، بين التسوية والصراع، بين اللحظة والتاريخ؟

من منظور هابرماس، يمكن القول إن الفضاء العمومي الفلسطيني لم ينتج إرادة سياسية جماعية، بل أنتج اصطفافات مغلقة. لم تتشكل القرارات الكبرى عبر نقاش عقلاني حر داخل المجتمع، بل فُرضت من أعلى، أو صيغت في غرف مغلقة، ثم جرى تسويقها بوصفها قدرًا تاريخيًا. هكذا، تحولت السياسة إلى خطاب تعبوي، وتحولت الوطنية إلى أيديولوجيا دفاعية، وغابت العقلانية التواصلية التي تشكل شرطًا لبناء شرعية سياسية حقيقية.

أما من منظور شميت، فإن السياسة الفلسطينية فقدت جوهرها السيادي. فالسياسة، بوصفها قدرة على اتخاذ القرار في لحظة الصراع، تلاشت بين خطابين متناقضين ظاهريًا ومتواطئين بنيويًا: خطاب تفاوضي فرّغ الصراع من بعده الوجودي، وخطاب مقاوم فرّغ السياسة من بعدها الاستراتيجي. لم يعد هناك تعريف واضح للصديق والعدو، ولا لحظة قرار سيادي تعيد ترتيب العلاقة بين القوة والمعنى. وهكذا، تحولت السياسة إلى إدارة تقنية للأزمة، لا إلى فعل تأسيسي يعيد تعريف الذات الوطنية.

في ظل أوسلو، لم تُبنَ الدولة، بل بُنيت سلطة بلا سيادة، ومؤسسات بلا مشروع، واقتصاد بلا استقلال، وأمن بلا وطن. جرى استبدال فكرة التحرير بفكرة “الاستقرار”، واستُبدلت الشرعية الشعبية بشرعية الاعتراف الدولي، وتحولت السلطة من أداة تحرر إلى جهاز ضبط اجتماعي داخل منظومة الهيمنة الاستعمارية. ولم يعد الاحتلال خصمًا سياسيًا، بل شريكًا وظيفيًا في إدارة الواقع الفلسطيني.

وفي ظل الطوفان، لم تُنتج المقاومة استراتيجية سياسية شاملة، بل أنتجت خطابًا بطوليًا يعوض غياب السياسة. تحولت المقاومة من مشروع تحرري طويل الأمد إلى حدث استثنائي، ومن فعل تاريخي إلى لحظة رمزية.

لم يُطرح السؤال المركزي: كيف تُدار القوة داخل مشروع سياسي؟ بل جرى الاكتفاء بإنتاج صورة البطولة خارج شروط السياسة. وهكذا، تكرست المفارقة: فائض في الشجاعة، وعجز في العقل الاستراتيجي.

في هذا السياق، لم يعد الصراع بين أوسلو والطوفان صراعًا بين الواقعية والمقاومة، بل صراعًا بين شكلين من العجز السياسي. كلاهما، على اختلاف لغتهما، يعيدان إنتاج الأزمة ذاتها: غياب المشروع الوطني، وتفكك الإرادة الجماعية، وتآكل القدرة على تحويل القوة إلى سياسة، والسياسة إلى تاريخ.

لقد تحولت السياسة الفلسطينية إلى ما يشبه محكمة دائمة: كل طرف يحاكم الآخر، ولا أحد يحاكم المشروع ذاته. صار إثبات خطأ الخصم أهم من إنتاج رؤية للمستقبل، وصار الخلاف غاية في ذاته، لا وسيلة لتجاوز الهزيمة. في هذا المناخ، تنتصر الرداءة لأنها أسهل من التفكير، وتنتصر الشعارات لأنها أقل كلفة من المشاريع.

بهذا المعنى، يمكن القول إن المأساة الفلسطينية ليست مأساة شعب بلا مقاومة، بل مأساة شعب بلا مشروع جامع. وليست مأساة شعب بلا تضحيات، بل مأساة شعب بلا فلسفة سياسية قادرة على تحويل التضحيات إلى قوة تاريخية. الفلسطيني لا يُهزم لأنه بلا قوة، بل لأنه بلا قرار سيادي؛ ولا تتعثر قضيته لأنها بلا دماء، بل لأنها بلا رؤية تتجاوز الثنائية القاتلة بين إدارة الاحتلال ومقاومة بلا استراتيجية.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يبدأ بإعادة الاعتبار لأوسلو ولا بتقديس الطوفان، بل بتفكيك البنية الفكرية التي أنتجتهما معًا. يبدأ بإعادة تأسيس العقل السياسي الفلسطيني على قاعدة جديدة: عقل قادر على دمج المقاومة في استراتيجية، والدبلوماسية في مشروع، والدولة في أفق تحرري، لا في إطار إدارة الهزيمة.

في لحظة كهذه، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من على حق؟ بل: كيف يمكن للفلسطينيين أن ينتجوا مشروعًا سياسيًا يتجاوز أوسلو والطوفان معًا، ويعيد تعريف السياسة بوصفها فعلًا تاريخيًا، لا مجرد إدارة دائمة للألم؟!!!

Facebook X (Twitter) WhatsApp
اتفاق أوسلو طوفان الأقصى العقل السياسي الفلسطيني الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

آخر الاخبار

حين يصبح الضم وفرض السيادة جوهر الفكر الصهيوني

حين يصبح الضم وفرض السيادة جوهر الفكر الصهيوني

بين أوسلو والطوفان: مأزق العقل السياسي الفلسطيني

بين أوسلو والطوفان: مأزق العقل السياسي الفلسطيني

نيويورك تايمز: ترامب يفكر في استئناف التجارب النووية الأمريكية

نيويورك تايمز: ترامب يفكر في استئناف التجارب النووية الأمريكية

إعلام عبري: جيش الاحتلال يكثف عملية بناء خنادق عميقة بغزة

إعلام عبري: جيش الاحتلال يكثف عملية بناء خنادق عميقة بغزة

الأكثر قراءة

1

ما هو تفسير حلم الإجهاض للمتزوجة غير الحامل؟

2

هذا تفسير حلم سقوط سن واحد علوي في المنام

3

ما هو تفسير رؤية ترك العمل في الحلم؟

4

بث مباشر: منتخب فلسطين يواجه كتالونيا ودياً وسط تضامن واسع في إسبانيا مع القضية الفلسطينية

تابعنا على فيسبوك

المقالات المرتبطة

حين يصبح الضم وفرض السيادة جوهر الفكر الصهيوني

حين يصبح الضم وفرض السيادة جوهر الفكر الصهيوني

عراقيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة: بين الإعلان والتطبيق

عراقيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة: بين الإعلان والتطبيق

ديمومة المعاناة .. طريقًا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للغزيين

ديمومة المعاناة .. طريقًا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للغزيين

تابعنا على فيسبوك

شبكة مصدر الاخبارية

مصدر الإخبارية، شبكة إعلامية فلسطينية مستقلة، تُعنى بالشأن الفلسطيني والإقليمي والدولي، وتولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى

فلسطينيو 48 عربية وإقليمية تقارير خاصة محلية اقتصاد الأسرة الأسرى منوعات اللاجئين القدس سياسة أقلام اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الإخبارية © 2025

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
BandoraCMS  Powered By BandoraCMS
سيتم تحسين تجربتك على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط.