قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، الوزير مؤيد شعبان، إن القرارات الأخيرة الصادرة عن حكومة الاحتلال الإسرائيلي لا تمثل اعتداءً جديدًا على حقوق الشعب الفلسطيني فحسب، بل تضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي ومنظومته القانونية والسياسية، عبر نسف قواعد القانون الدولي، وتدمير مرجعيات التسوية السياسية، والانقلاب العلني على الاتفاقيات الموقعة، وفي مقدمتها اتفاقية أوسلو واتفاق الخليل.
وأوضح شعبان، في بيان صدر عن الهيئة مساء الأحد، أن هذه القرارات تأتي في سياق سياسي واضح يقوم على تحويل إدارة الأرض والملكية والجغرافيا إلى أدوات سيطرة وضم مقنّع، مؤكداً أن دولة الاحتلال تتوّج بهذه الخطوات سجلًّا طويلًا من الإجراءات العنصرية والإجرامية التي نفذتها خلال السنوات الماضية.
وشدد على أن حكومة الاحتلال تعلن عمليًا من خلال هذه القرارات نهاية أي التزام سياسي أو قانوني بالمسارات التفاوضية، وتنتقل إلى مرحلة فرض الوقائع بالقوة، عبر توسيع الاستيطان، وتكريس الضم الزاحف، وشرعنة نهب الأراضي، وبناء منظومة قانونية وإدارية جديدة تخدم المشروع الاستعماري الاستيطاني.
وبيّن شعبان أن من أخطر هذه الإجراءات إزالة السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية، بما يسمح بكشف أسماء المالكين والوصول إليهم مباشرة لشراء الأراضي، وتحويل السجل العقاري من أداة لحماية الملكية إلى أداة استيطان منظم، إلى جانب سن تشريعات تلغي حظر بيع الأراضي لغير العرب، وإلغاء شرط المصادقة الرسمية على صفقات العقارات، والسماح للمستعمرين بشراء الأراضي بصفة شخصية، ورفع القيود والإجراءات البيروقراطية التي كانت تشكل عائقًا أمام التغلغل الاستعماري، الأمر الذي يحوّل السوق العقاري الفلسطيني إلى ساحة مفتوحة للسيطرة المنظمة والاختراق الممنهج.
وأشار إلى أن القرارات تمتد أيضًا إلى إعادة هندسة السيطرة على المدن والمقدسات، من خلال نقل صلاحيات ترخيص المباني في مدينة الخليل، بما فيها الحرم الإبراهيمي الشريف، من بلدية الخليل إلى ما تُسمى بالإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال والخاضعة لمسؤولية الوزير الإسرائيلي سموتريتش، ما يؤدي عمليًا إلى توسيع البؤرة الاستعمارية في قلب المدينة، وإفراغ اتفاق الخليل من مضمونه السياسي والقانوني، وتحويل البؤر الاستيطانية إلى سلطات محلية مستقلة، في خطوة تستهدف تفكيك السيادة البلدية الفلسطينية في الخليل وبيت لحم وغيرها من المناطق ذات الأهمية الدينية والوطنية.
وأضاف شعبان أن مصادقة الكابينت على فرض الرقابة والإنفاذ على المباني الفلسطينية غير المرخصة في المناطق المصنفة (أ و ب)، بذريعة حماية المواقع الأثرية والتراثية، تمثل توسعًا خطيرًا في أدوات السيطرة، وتفتح الباب أمام الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وهدم المباني داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للسيادة الفلسطينية، ما يشكل انهيارًا كاملًا لأي معنى للحدود الإدارية والسياسية المنصوص عليها في الاتفاقيات الموقعة.
وأكد أن ما يجري ليس قرارات تقنية أو إجراءات منفصلة، بل مشروع سياسي متكامل يهدف إلى القضاء على الكيانية الوطنية الفلسطينية، عبر رفع الاستيطان إلى مستوى عقيدة دولة، وفرض بيئة طاردة وقهرية على الفلسطينيين، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وضرب مقومات الصمود، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى وجود مهدد وغير مستقر سياسيًا واقتصاديًا وديمغرافيًا، في إطار إعادة تشكيل قسري للمشهد الديمغرافي والجغرافي بما يخدم المشروع الاستعماري الاستيطاني.
وحذر شعبان من أن هذه السياسات تمثل تصعيدًا استراتيجيًا خطيرًا لا يهدد الشعب الفلسطيني وحده، بل يضرب أسس النظام الدولي القائم على القانون، ويقوض منظومة الشرعية الدولية، ويضع إسرائيل في حالة تصادم مباشر مع المجتمع الدولي، عبر تحويل القوة إلى مرجعية وحيدة، والضم إلى سياسة رسمية، والاستيطان إلى أداة حكم.
وأكد أن المجتمع الدولي بات أمام اختبار حقيقي لمصداقيته، إما الوقوف في وجه هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني، أو القبول بتحويل القانون الدولي إلى نصوص بلا قيمة، وشرعنة سياسة القوة والضم كمنهج لإدارة الصراعات، بما يفتح الباب أمام انهيار منظومة القانون الدولي برمتها.
وختم شعبان بالتأكيد على أن الشعب الفلسطيني سيواصل نضاله المشروع دفاعًا عن أرضه وحقوقه، وأن هذه القرارات، مهما بلغت خطورتها، لن تصنع شرعية، ولن تغيّر حقيقة الأرض، ولن تسقط حقه التاريخي والأصيل فيها، مشددًا على أن المشروع الاستيطاني إلى زوال مهما طال الزمن.