القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
في وقت تواصل فيه إسرائيل معارضتها الشديدة لأي دور تركي في إدارة أو إعادة إعمار قطاع غزة، بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تتبلور ملامح تحرك سياسي تركي منسّق يستهدف تعميق النفوذ في الساحة الفلسطينية، بما يشمل الدفع نحو دمج حركة حماس في أي ترتيبات مستقبلية. يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته تحديد موعد نهائي لنزع سلاح حماس، ما يضيف بعدًا دوليًا حساسًا إلى المشهد المتشكل. وفق ما جاء في تقرير لصحيفة معاريف الإسرائيلية.
المرحلة الأولى من هذا التحرك كُشف عنها عبر منشورات رسمية صادرة عن وزارة الخارجية التركية، والتي أعلنت عن عقد اجتماعات في 25 و26 يناير/كانون الثاني بين وزير الخارجية التركي ونائبه من جهة، وكبار قادة حماس من جهة أخرى، بمن فيهم رئيس مجلس الشورى وأعضاء من المكتب السياسي. واعتُبرت هذه اللقاءات، التي جرت بشكل علني، مؤشرًا واضحًا على سياسة تركية مقصودة تجاه حماس، حتى بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول واستمرار القتال في غزة.
بعد ذلك بأسابيع قليلة، وتحديدًا في السادس من فبراير/شباط، بدأت القنصلية التركية في القدس بنشر بيانات حول سلسلة لقاءات مكثفة مع مسؤولين رفيعي المستوى في السلطة الفلسطينية، شملت نائب رئيس السلطة، وشخصيات قيادية في حركة فتح، وأطرافًا منخرطة في نقاشات “اليوم التالي” في غزة. وبحسب البيانات الرسمية، تناولت هذه الاجتماعات قضايا المصالحة الفلسطينية الداخلية، ومستقبل العملية السياسية، والترتيبات الشاملة للمرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن الجمع بين التواصل العلني مع قيادة حماس والانخراط المتوازي مع قيادة السلطة الفلسطينية لا يمكن فصله عن سياق واحد أوسع، يتمثل في محاولة أنقرة بناء إطار سياسي يُمكّن حماس من البقاء لاعبًا شرعيًا ضمن النظام السياسي الفلسطيني، سواء على مستوى الحكم أو في إدارة قطاع غزة.
في هذا السياق، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن القنصلية التركية في القدس لم تعد تقتصر على أداء مهام قنصلية تقليدية، بل باتت تمارس دورًا سياسيًا فاعلًا، من خلال الضغط على القيادة الفلسطينية لقبول حماس كشريك في أي صيغة وحدوية، مستخدمة خطاب “الوحدة الوطنية” و”إعادة الإعمار” كغطاء سياسي لهذا التوجه.
وتضع هذه التحركات تركيا في مسار تصادمي مباشر مع الموقف الإسرائيلي الرسمي، الذي يرفض بشكل قاطع أي اعتراف سياسي بحماس أو إشراكها في مستقبل غزة، معتبرًا إياها منظمة إرهابية مسؤولة عن هجمات دامية وعمليات خطف وإطلاق نار ضد المدنيين.
إلى جانب البعد السياسي، برز هذا الأسبوع تطور أمني لافت، بعد أن نشرت الشرطة الإسرائيلية صورًا لأسلحة صادرتها من خلية مسلحة في القدس. وأظهر فحص علني للعلامات وأرقام التعريف الظاهرة في الصور أن الأسلحة تعود إلى مصانع تركية. وبحسب تقديرات مهنية، فإن هذا النوع من الأسلحة لا يُسوّق قانونيًا داخل إسرائيل، ما يرجّح فرضية تهريبها عبر قنوات غير شرعية.
ويرى باحثون إسرائيليون أن تزامن النشاط السياسي التركي مع وصول أسلحة تركية الصنع إلى ساحات العمليات داخل القدس يعزز المخاوف من عمق التورط التركي، سياسيًا وأمنيًا. ويؤكد ران يشاي، رئيس قسم الأبحاث في مركز القدس للسياسات التطبيقية، أن ما يجري “ليس دبلوماسية تقليدية، بل تدخل سياسي عدائي يهدف إلى الحفاظ على حماس كقوة فاعلة وتهديد مستمر لإسرائيل”.
ويخلص يشاي إلى أن تراكم المؤشرات السياسية والأمنية يستدعي، من وجهة نظر إسرائيلية، إعادة تقييم شاملة لدور القنصلية التركية في القدس وطبيعة نشاطها، معتبرًا أن استمرارها بصيغتها الحالية لم يعد مقبولًا في ظل ما يراه تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمنية الإسرائيلية.