مصطفى إبراهيم - كاتب ومحلل سياسي
بعد إعلان تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، شهد القطاع حالة من التفاؤل الحذر، مع رفع سقف التوقعات بإمكانية حدوث اختراق سياسي وإداري قد يفتح الباب أمام استقرار نسبي وإعادة إعمار القطاع. غير أن هذا التفاؤل بدأ يتراجع تدريجياً، مع تزايد العراقيل التي حالت دون عودة اللجنة ومباشرة مهامها، ما كشف عن تعقيدات ميدانية وسياسية عميقة.
في مطلع شباط/فبراير 2026، أعلنت حركة حماس اكتمال ترتيبات تسليم “كامل السلطات والمقدرات” للجنة الوطنية فور دخولها إلى القطاع، مشيرة إلى إشراف لجنة عليا تضم فصائل وشخصيات مجتمعية. ومع ذلك، استمرت حماس في ممارسة مهامها كالمعتاد، وأجرت تعديلات وتعيينات في عدد من الوزارات وأصدرت قرارات قانونية وإدارية، لا سيما في وزارات الصحة والعدل، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التسليم وحدوده الفعلية، ويعكس ازدواجية السلطة القائمة بين اللجنة الجديدة والحكومة القائمة.
بدأت اللجنة الوطنية عملها رسمياً من القاهرة في 17 كانون الثاني/يناير 2026، برئاسة الدكتور علي شعث، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة السلام الأميركية ذات النقاط العشرين. على الورق، تمثل اللجنة خطوة محورية لإعادة بناء المؤسسات المدنية والأمنية والإشراف على جهود الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أنها بقيت عملياً خارج القطاع، عاجزة عن ممارسة أي صلاحيات على الأرض، ما أفقد إعلانها التنفيذي أي أثر ملموس حتى الآن.
تعاني عودة اللجنة من ضغط مباشر وغير مباشر تمارسه إسرائيل، سواء عبر التحكم بالمنافذ والمعابر، أو من خلال الإجراءات الأمنية المشددة التي واجهها العائدون إلى القطاع، والتي أرسلت رسالة واضحة بعدم السماح لأي إدارة فلسطينية مستقلة بالعمل دون موافقة الاحتلال. ولا يقتصر التعطيل على الإجراءات الميدانية، بل يشمل شروطاً سياسية وأمنية تتناقض مع اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن. إذ ترى إسرائيل بقاء السيطرة المدنية لحركة حماس على القطاع خط أحمر، وربط أي تقدم في تمكين اللجنة بملف نزع السلاح باعتباره شرطاً مسبقاً، في مخالفة واضحة للقرار الدولي الذي ينص على الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار مع التعامل مع السلاح تدريجياً وبضمانات دولية. كما لم يتم استكمال تشكيل قوة الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تنتشر في القطاع لحفظ الأمن والمساعدة في إدارة المرحلة الانتقالية ونزع السلاح وفق آليات متفق عليها، ما يترك المجال واسعاً لإسرائيل لإعادة تعريف الالتزامات وتحميل الفلسطينيين مسؤوليات أمنية غير متكافئة.
تحذر التقارير الدولية والمحللون الفلسطينيون والأجانب من أن ربط جهود الإغاثة وإعادة الإعمار بملف نزع السلاح يمثل مخاطرة كبرى، فالتاريخ يثبت أن عمليات نزع السلاح تستغرق فترات طويلة، فيما يشكل اللجوء إلى بدائل للمؤسسات والمنظمات الإغاثية العاملة في غزة مخاطرة إضافية، كما أظهرت تجارب سابقة، بما فيها مؤسسة غزة الإنسانية مؤخراً. ويؤكد المراقبون أن نجاح أي ترتيب إداري وانتقالي في غزة مرهون بتحسين ملموس في الخدمات الأساسية وإتاحة حرية الحركة للعاملين في الإغاثة، وفتح المعابر بشكل كامل، فيما يجب على مجلس السلام رفض أي خطط لإقامة مدن نموذجية أو سياسات التهجير في جنوب القطاع. وقد لخص تقرير مجلة فورين بوليسي الوضع بقوله إن الإعلان عن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب اعتُبر خطوة جريئة، لكن المئة يوم الأولى تشير إلى أنه مجرد استمرار لما سبق، وأن عبء إثبات عكس ذلك يقع الآن على مجلس السلام.
تلخص الأزمة الحالية في فجوة بين الشرعية السياسية والقدرة التنفيذية على الأرض، وازدواجية السلطة بين اللجنة الوطنية وحكومة حماس القائمة، وتحكم إسرائيل بالمفاتيح الأساسية للقطاع بما فيها المعابر والأمن، مما يحول دون تمكين اللجنة فعليًا. في ضوء هذه المعطيات، من المرجح استمرار الجمود وبقاء اللجنة ككيان سياسي وإداري بلا تأثير ميداني، وقد تتآكل مصداقيتها الشعبية مع مرور الوقت في حال غياب الإنجازات، في حين يُحتمل أن يستمر الاحتلال باستخدام ملف اللجنة كورقة ضغط سياسية ودولية دون نية حقيقية لتمكينها.
الواقع الحالي في غزة ليس مجرد أزمة إجرائية، بل صراع على من يملك القرار في القطاع. بين الإعلانات الكبيرة والعراقيل الصامتة، وبين غياب خطة واضحة لمجلس السلام، يبقى قطاع غزة رهينة معادلة مختلة، إدارة بلا سيادة، وسيادة بلا إدارة، وشعب يدفع ثمن هذا الفراغ المركّب.