ديمومة المعاناة .. طريقًا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للغزيين

07 فبراير 2026 12:01 م

أقلام- مصدر الإخبارية

كتب د. أحمد حسني: في إحدى الحوارات الأكثر بؤسًا وسوداوية، التي دارت بين (أوبراين وونستون) بغرفة التعذيب في رواية جورج أورويل (1984):

_ أوبراين: كيف يقوم إنسان بفرض سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟

_ ونستون: بأن يجعله يعاني ..

‏على بساطة ورمزية رد (ونستون)، إلا أنه تلخيص عميق لجوهر السياسة الإحتلالية التي سعت إلى إحداث أكبر قدر ممكن من المعاناة لشعبنا في غزة، ليصبح مطحونًا مسحوقًا يلهث خلف قضاياه المعيشية اليومية وينسى قضاياه الوطنية الكبرى، بحيث تحول حلم شعبٍ كامل، من التطلع للحرية والعودة والاستقلال، إلى سؤال يومي عن الخبز والمياه، وبات فتح المعبر سقف الرجاء، حتى وإن رافقته كل الإجراءات المذلة والمهينة، بما يشبه إعادة صياغة وهندسة إسرائيلية للوعي الجمعي لشعبنا بخفض طموحاته عبر كسر إرادته من خلال خلق معاناة ممتدة، تجاوزت القتل والتشريد والتدمير و الهزيمة العسكرية، إلى هزيمة داخلية في وجدان كل فرد منا.

في منطق (جورج أورويل)، لا تُمارَس السيطرة القصوى بالقمع وحده، بل بتقليص الحلم والتطلعات إلى أدنى درجة، وهكذا تتكرس المأساة بأن يبقى شعبنا يعاني ويُستنزَف و تتضاءل أحلامه وتنطفئ آماله وتتحطم أهدافه، فحين يُترك شعبنا ينزف طويلًا، وتتقلّص طموحاته من وطنٍ كامل ينعم بالحرية والاستقلال إلى توفير لقمة عيش وخيمة، ومن العودة إلى الخروج الآمن، ومن القدس إلى الخط الأصفر، فهذه ليست أزمة حياتية، بل إعادة تعريف قسرية لما يجب أن نحلم به كحدود قصوى وسقف أعلى لتطلعاتنا، فالهزيمة هنا لا تكمن في خلق بيئة لا تصلح للحياة وحسب، بل في أن يتحوّل هذا البؤس إلى واقع مستدام.

وأن يُدار الصراع لا على الحقوق السياسية، بل على أدنى متطلبات المعيشة الآدمية، و هكذا وفي ذروة هذا الشقاء اليومي، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ويتم تدريب ذاكرتنا على النسيان وإجبار أحلامنا على التواضع والانكماش، لتصبح حقوقنا البديهية من غذاء ودواء ومسكن وتعليم وسفر وعودة، مجرد آمالًا مُعلقة في طريق طويل محفوف بالانتظار و القهر والآلام.

لا يُلام الضحايا الذين تبخرت أحلامهم واستبدلوها بحقوق فطرية تقبع في أدنى هرم (ماسلو) للحاجات، غير أن هذا الواقع لا ينبغي أن يصبح قدرًا محتومًا، و علينا دون إبطاء أن نصنع وعيًا وأملًا جديدًا لشعبنا متسلحين بإرادة صلبة موروثة عبر الأجيال، وبتصميم على التشبث بأي بارقة أمل من شأنها إعادة الثقة في قدراتنا الكامنة لتغيير الواقع والاستعداد لنضال طويل لانتشال الناس من حالة الإحباط والانكسار إلى التعافي والعمل وإزالة آثار العدوان بمشاركة كل الخيرين والداعمين لحقنا في العيش بكرامة فوق أرضنا، وهذا يتطلب من الجميع ممارسة أقصى درجات إنكار الذات، والوحدة والتلاحم وسد الذرائع أمام محتل غاشم يسعى بكل الطرق إلى استئناف القتل والإبادة.

المقالات المرتبطة

تابعنا على فيسبوك