منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تقتصر آلة الحرب على تدمير البنية التحتية واستهداف المدنيين، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي، حيث واجه الفلسطينيون حربًا موازية تمثلت في تقييد المحتوى، وخفض الوصول، والحظر الخفي على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى.
وفي الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يوثقون معاناتهم بالصوت والصورة تحت القصف، تحولت خوارزميات منصات مثل ميتا وتيك توك إلى أدوات رقابة صامتة، عملت على خنق المحتوى الفلسطيني، وتقليص انتشاره، وإقصائه من دوائر التأثير العالمي، في مشهد وصفه نشطاء بأنه تغييب ممنهج للحقيقة.
خوارزميات تتحول إلى أدوات إسكات
لم يعد ما جرى يُفسَّر على أنه خلل تقني أو خطأ عارض، بل بدا كجزء من سياسة رقمية أوسع تهدف إلى عزل الضحية عن الرأي العام العالمي، وتجريد الفلسطيني من أهم أدواته في العصر الحديث: الإعلام الرقمي.
هذا الواقع دفع إلى البحث عن بدائل تكنولوجية مستقلة، لا تخضع لسلطة الشركات العملاقة أو لضغوط سياسية، وتمنح المستخدمين مساحة آمنة للتعبير دون رقابة انتقائية.
ولادة UpScrolled من قلب المعاناة
في هذا السياق، ظهر تطبيق UpScrolled أواخر عام 2023 وبداية 2024، كمبادرة تقنية مباشرة لمواجهة سياسات التقييد الممنهجة ضد المحتوى الفلسطيني.
يقف خلف المشروع المطور الفلسطيني–الأسترالي عصام حجازي، الخبير التقني الذي عمل سابقًا في شركات عالمية كبرى مثل IBM وOracle. وجاءت فكرة التطبيق بعد أن تعرضت حساباته الشخصية للحظر، وفقد عشرات من أفراد عائلته في قطاع غزة، ما دفعه لتحويل الألم إلى مشروع رقمي مقاوم.
بديل حقيقي لتيك توك… لكن بخوارزميات مختلفة
UpScrolled هو تطبيق لمشاركة مقاطع الفيديو القصيرة، مصمم ليكون منافسًا مباشرًا لـتيك توك وإنستغرام ريلز، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في طريقة عمل الخوارزميات.
فبينما تعتمد المنصات الكبرى على أنظمة تصنيف تُخفي المحتوى السياسي أو الإنساني تحت ذرائع "الحساسية"، يعتمد UpScrolled على نظام توزيع عادل يقوم على التفاعل الحقيقي واهتمامات المستخدمين، دون حظر كلمات مفتاحية أو تقييد القضايا السياسية والحقوقية.
انتشار قياسي ورسالة عالمية
وفي فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز بضعة أشهر، حقق التطبيق انتشارًا لافتًا، إذ دخل قائمة أكثر التطبيقات تحميلًا على متجري "أبل ستور" و"غوغل بلاي"، محتلاً المرتبة 11 في الولايات المتحدة و12 في المملكة المتحدة.
ويعكس هذا النجاح تعطش المستخدمين حول العالم لمنصات تحترم حرية التعبير، بعد تصاعد الانتقادات الموجهة للرقابة الرقمية التي لم تطل القضية الفلسطينية فحسب، بل شملت قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان عالميًا.
ديمقراطية رقمية بدل الرقابة
لا يهدف UpScrolled إلى الترفيه فقط، بل يسعى إلى ترسيخ مفهوم "الديمقراطية الرقمية"، حيث لا يُقصى الصوت بسبب موقفه السياسي أو الإنساني.
ويرفع مؤسسه شعارًا واضحًا: "صوت فلسطين لن يُقيَّد"، مع رؤية أوسع تشمل كل الفئات المهمشة رقميًا حول العالم.
ويمثل التطبيق اليوم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن توظيف العلم والتكنولوجيا كأدوات مقاومة سلمية، قادرة على كسر الحصار المعلوماتي، والوصول إلى وعي الجمهور العالمي بعيدًا عن مقص الرقيب والخوارزميات المنحازة.