أصبحت تطبيقات المراسلة الفورية، وعلى رأسها «واتساب»، جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لمليارات الأشخاص حول العالم، غير أن دراسة علمية حديثة تشير إلى أن طريقة استخدام التطبيق قد تكشف عن جوانب أعمق من أسلوب التواصل، بل وتُظهر وجود فجوة واضحة بين ما يعتقده المستخدم عن سلوكه الرقمي وما تعكسه البيانات الفعلية.
الدراسة، التي نُشرت في دورية Computers in Human Behavior Reports، تناولت العلاقة بين إدراك مستخدمي «واتساب» لعاداتهم في المراسلة وبين أنماط الاستخدام الحقيقية المستندة إلى بيانات رقمية موضوعية. وخلص الباحثون إلى أن الاعتماد على الانطباعات الذاتية وحدها لا يقدّم صورة دقيقة عن السلوك التواصلي اليومي.
منهجية البحث
شملت الدراسة 68 مستخدماً نشطاً لتطبيق «واتساب»، وافقوا طوعاً على مشاركة ما يُعرف بـ«البيانات الوصفية» (Metadata) الخاصة باستخدامهم للتطبيق، دون الاطلاع على محتوى الرسائل نفسها. وتضمنت هذه البيانات معلومات مثل عدد الرسائل المُرسلة والمستقبلة، توقيت الإرسال، طول الرسائل، وسرعة التفاعل مع المحادثات المختلفة، مع الحفاظ الكامل على خصوصية المشاركين.
وبعد جمع البيانات، طُلب من المشاركين الإجابة عن استبيانات حول تصورهم الذاتي لسلوكهم، مثل سرعة الرد أو كثافة المراسلة مقارنةً بالآخرين. وفي مرحلة لاحقة، حصل كل مشارك على عرض بصري مخصص يُظهر أنماط استخدامه الفعلية، ما أتاح له مقارنة تصوراته الشخصية مع البيانات الواقعية.
نتائج تكشف التباين
أظهرت النتائج أن كثيراً من المستخدمين يسيئون تقدير سلوكهم الرقمي؛ إذ اعتقد بعض المشاركين أنهم يردون على الرسائل بسرعة، بينما كشفت البيانات أن زمن استجابتهم أطول مما كانوا يتصورون. في المقابل، ظن آخرون أنهم أكثر نشاطاً في إرسال الرسائل من محيطهم الاجتماعي، لكن الأرقام أظهرت العكس.
وأبرزت التصورات البصرية للبيانات عادات تواصل لم يكن المستخدمون واعين لها، مثل فترات النشاط المكثف في ساعات متأخرة من الليل، أو فترات انقطاع طويلة عن التواصل مع جهات معيّنة، ما جعل الفروق بين التصور والواقع أكثر وضوحاً.
دلالات أوسع للسلوك الرقمي
تؤكد الدراسة أن التقييم الذاتي للسلوك الرقمي غالباً ما يكون غير دقيق، وأن البيانات الموضوعية وحدها قادرة على تقديم صورة واقعية لأسلوب التواصل. كما تشير إلى أن فهم هذه الأنماط قد يساعد المستخدمين على إعادة تقييم علاقتهم بالتطبيقات الرقمية، سواء من حيث إدارة الوقت أو طبيعة التفاعل الاجتماعي.
وعلى خلاف الدراسات التقليدية التي تعتمد على الاستبيانات فقط، تكتسب هذه الدراسة أهمية إضافية لاعتمادها على قياس فعلي للسلوك، ثم مقارنته بما يعتقده الفرد عن نفسه، ما يعزز من قيمتها العلمية.
الخصوصية والأبعاد الأخلاقية
حرص الباحثون على التأكيد أن الدراسة لم تتضمن أي تحليل لمحتوى الرسائل، بل اقتصرت على أنماط الاستخدام الرقمية فقط. ومع اعتماد «واتساب» على التشفير التام بين الطرفين، يبقى محتوى الرسائل محمياً بالكامل، فيما تبقى مشاركة البيانات الوصفية خياراً طوعياً لأغراض البحث العلمي.
خلاصة
يرى القائمون على الدراسة أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لأنماط التواصل الرقمي في عصر يعتمد فيه الأفراد بشكل متزايد على تطبيقات المراسلة. ومع تطور هذا النوع من الأبحاث، قد يصبح التأمل الذاتي المدعوم بالبيانات أداة أساسية في الدراسات الاجتماعية، بل وقد يسهم مستقبلاً في تطوير خصائص أكثر وعياً بسلوك المستخدمين داخل التطبيقات الرقمية.