أعلنت وزارة الشباب والتواصل والثقافة في المغرب، الأربعاء، عن اكتشاف بقايا بشرية قديمة داخل مغارة بموقع "مقلع طوما 1" في مدينة الدار البيضاء، يعود تاريخها إلى نحو 773 ألف سنة، وذلك ضمن برنامج البحث المغربي الفرنسي "ما قبل التاريخ بالدار البيضاء".
ووفق بيان رسمي للوزارة، فقد نُشرت نتائج هذا الاكتشاف في دراسة علمية مرموقة بدورية Nature، حيث شملت الحفريات المكتشفة فكين لشخصين بالغين وفكاً لطفل، إضافة إلى بقايا أسنان وأجزاء من الهيكل العظمي، تُظهر مزيجاً لافتاً بين خصائص بدائية تعود إلى الإنسان المنتصب القامة وسمات أكثر حداثة.
موقع موثوق زمنياً وسد فجوة أحفورية
وأكد الباحثون أن التأريخ الدقيق للموقع، المعتمد على التحليل المغناطيسي الطبقي، يجعل منه أحد أكثر المواقع الإفريقية موثوقية من حيث التسلسل الزمني، مشيرين إلى أن هذا الاكتشاف يسد فجوة مهمة في السجل الأحفوري الإفريقي بين مليون و600 ألف سنة مضت.
ويعزز هذا الاكتشاف فرضية الجذور الإفريقية العميقة لتطور الإنسان العاقل (هومو سابينز)، كما يبرز الدور المحوري الذي لعبه شمال إفريقيا في المراحل الكبرى من تطور البشرية.
فهم أعمق لأصول الإنسان العاقل
وتتيح العظام والأسنان المتحجرة المكتشفة فهماً أوسع لمسار تطور سلالة هومو سابينز، التي يرى العلماء أنها قد تكون انبثقت من مجموعات بشرية أقدم كانت منتشرة في القارة الإفريقية.
وأوضح الباحثون أن الحفريات، التي عُثر عليها في كهف يُعرف باسم "كهف أشباه البشر" قرب الدار البيضاء، تضم عظام فك سفلي لاثنين من البالغين وطفل، إلى جانب أسنان وعظمة فخذ وبعض الفقرات.

دلائل على بيئة قاسية
وأشار الفريق العلمي إلى أن الكهف كان على الأرجح مأوى لحيوانات مفترسة، إذ تحمل إحدى عظام الفخذ علامات عضّ يُرجّح أنها ناتجة عن الضباع، ما يدل على أن الشخص ربما تعرض للافتراس أو أن جثته استُهلكت بعد الوفاة.
سلالة قريبة من أصل البشر الحديثين
وبحسب الباحثين، فإن التفسير الأرجح هو أن هذه الحفريات تمثل شكلاً متطوراً من سلالة "هومو إريكتوس" (الإنسان المنتصب القامة)، التي ظهرت لأول مرة قبل نحو 1.9 مليون سنة في إفريقيا، ثم انتشرت لاحقاً في أوروبا وآسيا، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وتشير الخصائص التشريحية المكتشفة إلى مزيج من السمات البدائية والأكثر حداثة، ما يجعل هذه البقايا حلقة مفصلية في فهم الانتقال التطوري الذي سبق ظهور الإنسان العاقل.
قرب الانقسام التطوري الكبير
ويرجّح العلماء أن هذه المجموعة البشرية كانت موجودة قبل فترة قصيرة من الانقسام التطوري الذي أدى إلى ظهور ثلاث سلالات رئيسية، هي:
-
هومو سابينز في إفريقيا
-
إنسان نياندرتال
-
إنسان دينيسوفا في أوراسيا
وقال جان جاك أوبلان، المتخصص في علم الإنسان القديم بـ"كوليج دو فرانس" ومعهد ماكس بلانك: "أتحفظ في تصنيفها على أنها آخر سلف مشترك، لكنها قريبة بشكل معقول من السلالات التي انبثقت منها لاحقاً السلالات الإفريقية والأوراسية".
المغرب في قلب تاريخ البشرية
ويأتي هذا الاكتشاف ليعزز مكانة المغرب في أبحاث أصول الإنسان، خاصة بعد العثور سابقاً على أقدم حفريات معروفة للإنسان العاقل تعود إلى نحو 315 ألف سنة في موقع جبل إيجود.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة علمية كبرى تسهم في إعادة كتابة فصول مهمة من تاريخ تطور الإنسان، وتؤكد أن شمال إفريقيا كان مسرحاً أساسياً لنشأة البشرية الحديثة.