سماح شاهين- مصدر الإخبارية
تجلس إسلام حجازي أمام موقد بدائي يشتعل بالحطب بجانب خيمتها، متحملةً الدخان الكثيف الذي يلتف حول وجهها وصدرها، ويجعل التنفس أصعب مع كل شهيق، رغم السعال ووجع الصدر الذي يرافقها، تواصل تحريك القدر بصمت، وكأن الألم أصبح جزءًا من روتين يومي لا مهرب منه، وسط حياة تحاصرها صعوبات لا تنتهي.
على بعد أمتار قليلة منها، تقف جرّة الغاز التي لا تتجاوز ثمانية كيلوغرامات، مغلقة بإحكام ومغطاة بقطعة قماش، يحاول أبناؤها إقناعها باستخدام الغاز، خاصة مع تزايد سعالها وصداعها، على الرغم من ذلك تصر على الاحتفاظ به، معتبرةً أن حمايته اليوم يعني حماية موائد الغد، مع اقتراب شهر رمضان الذي لا أحد يعرف إن كانت هذه الجرّة ستُملأ مرة أخرى.
بالنسبة لإسلام، يبدو قرار استخدام الغاز أو تأجيله أكثر من مجرد مسألة طهي، إنه حسابات البقاء اليومية التي تضطر فيها الأسرة للموازنة بين الصحة والغذاء.
إسلام ليست حالة فردية في غزة، حيث الحرب والحصار شكلت واقعًا يوميًا، باتت جرّة الغاز محور النقاش اليومي والقرار الأكثر حساسية في كل بيت وخيمة، تتحكم في الجدول اليومي للأسرة: متى تُستخدم؟ كم مرة؟ وأي وجبة يجب أن تُطهى بها؟ كثير من النساء اضطُررن للطهي مرة واحدة في اليوم بكميات تكفي لأكثر من وجبة، مع إعادة تسخين الطعام على الحطب لاحقًا، وترك الأكلات التي تحتاج حرارة ثابتة لاستخدام الغاز فقط، كل شعلة محسوبة، وكل دقيقة اشتعال مدروسة، في محاولة لإطالة عمر ما تبقّى من الوقود.
هذا الترتيب الصارم في إدارة الموارد، ليس مجرد مسألة راحة أو اقتصاد، أصبحت استراتيجية بقاء يومية لعائلات تواجه نقصًا حادًا في الغاز والوقود، وسط حياة تغلب عليها المخاطر والصعوبات الإنسانية.
فالخوف من نفاد الجرّة، مع محدودية الوصول لمستلزمات أساسية، يجعل من كل استخدام للغاز حدثًا حساسًا يحتاج حسابات دقيقة، حيث تتحول الصحة إلى خيار مؤجل، والطهي اليومي إلى معركة بين الضرورة والألم.
وفي ظل استمرار الحصار والقيود المفروضة على غزة، يبدو أن العائلات الغزية ستظل مُرغمًة على اتخاذ قرارات صعبة، تجمع بين إدارة الموارد، وتأجيل الصحة الشخصية، وتخطيط كل وجبة بما يتوافق مع ما تبقى من وقود، في محاولة يائسة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار اليومي وسط أزمة متواصلة.

صراع يومي
تعيش سلمى حسونة صراعًا يوميًا يتكرر مع كل شعلة حطب وكل لحظة تفكير في استخدام الغاز النادر، الغاز الذي كان يومًا من الموارد الأساسية للطهي، بات اليوم سلعة نادرة، متاحة أحيانًا لفترات قصيرة، وكل استخدام له يتطلب حسابًا دقيقًا.
قررت سلمى، بعد تردد وقلق، تأجيل استخدام ما تبقى لديها إلى شهر رمضان القادم، محاولةً التخفيف من الاعتماد على الحطب خاصة أثناء وجبة السحور، حيث يحتاج أفراد العائلة إلى الراحة والطاقة أكثر من أي وقت آخر.
تجلس سلمى أمام الموقد البدائي، تحرك القدر ببطء، كل حركة محسوبة بدقة، تحاول أن تستفيد من كل جزء من الحطب المتبقي، الدخان يتصاعد حولها، يجعل التنفس صعبًا، لكنها تكتم السعال وتحاول التركيز على الطعام الذي سيُعد لأولادها.
كل وجبة بالنسبة لها ليست مجرد طعام، بل قرار استراتيجي للبقاء: إذا استخدمت الغاز اليوم، قد لا يتوفر لاحقًا، وإذا اعتمدت على الحطب وحده، سيزداد التعب والإرهاق على الجميع.
تقول سلمى لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إنها تزن كل شعلة، كل دقيقة اشتعال، وتفكر في كل وجبة: هل تكفي لتغذية الأسرة اليوم؟ وهل يمكن إعادة تسخين الطعام لاحقًا دون استهلاك المزيد من الحطب؟ بالنسبة لها، الحسابات اليومية ليست رفاهية، بل مسألة حياة أو تعب مضاعف.
الأطفال يراقبون كل حركة، صامتين أحيانًا، ويدركون أن كل شعلة حطب تمثل توازنًا دقيقًا بين الطعام والراحة والصحة.
ومع كل سعال يرافق تحريك القدر، تشعر سلمى بثقل المسؤولية على كتفيها، كل يوم هو امتحان لصبرها، وكل وجبة تُطهى هي محاولة لموازنة الألم والصحة وحماية أبنائها من العناء الإضافي، إنها تعلم أن أي توقف في إمدادات الغاز سيعني العودة الكاملة إلى نار الحطب، بلا أي بديل، وأن هذه المعاناة اليومية ليست خيارًا، بل واقع مفروض عليها وعلى كل أسرة في غزة.
آلية تنظيمية
تعتمد وزارة الاقتصاد الوطني في غزة آلية تنظيمية دقيقة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة في توزيع الغاز المتوفر في ظل النقص الحاد الذي يفرضه الحصار المستمر وقيود الاحتلال.
تقوم هذه الآلية على تصنيف كشوفات المستفيدين وفق مجموعة من المعايير، في مقدمتها التوزيع الجغرافي، حيث يُقسّم القطاع إلى منطقتين رئيسيتين: محافظة غزة ومدن شمال القطاع، والمحافظات الوسطى والجنوبية، لضمان وصول الغاز إلى أكبر عدد ممكن من السكان بطريقة متوازنة.

إلى جانب الجانب الجغرافي، تتضمن المعايير أيضًا حجم الأسرة، مع إعطاء الأولوية للعائلات الكبيرة، والأسر التي فقدت معيلها، وأسر شهداء، وأرامل الشهداء، وكبار السن، في محاولة لتخفيف العبء عن الفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا في المجتمع. كما تسعى الوزارة لتوسيع دائرة المستفيدين من خلال سياسة تعبئة جزئية للأسطوانات، حيث يتم تعبئة ثلثي الأسطوانة (8 كيلوغرامات) بدلًا من 12 كيلوغرامًا، مما يسمح بتوفير كميات محدودة لعدد أكبر من الأسر، بدلاً من حصرها في عدد قليل من المستفيدين.
ويسمح الاحتلال بدخول ست شاحنات غاز أسبوعيًا، بمعدل شاحنة واحدة يوميًا، فيما تبلغ حمولة كل شاحنة نحو 20 طنًا، تكفي لتعبئة أسطوانات لـ 2500 مستفيد فقط.