د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية
لم يكن قرار منع وعدم تجديد تراخيص عشرات المؤسسات الدولية للعمل في غزة حدثًا إداريًا معزولًا، بل خطوة سياسية مدروسة جاءت في توقيت بالغ الدلالة، وتندرج ضمن مسعى أوسع يستهدف إعدام مقومات الحياة الأساسية للسكان المدنيين، وتحويل البقاء ذاته إلى عبء لا يُحتمل. ففي ذروة الانهيار الإنساني والصحي والغذائي، اختارت إسرائيل تعطيل الفاعلين الإنسانيين بدل تسهيل عملهم، في سلوك لا يمكن تفسيره إلا بوصفه استخدامًا متعمدًا للحرمان كأداة سياسية تهدف إلى تفريغ المجتمع من قدرته على الصمود، ودفعه تدريجيًا نحو الهجرة القسرية.
توقيت القرار يكشف القصد السياسي بوضوح. فقد جاء في لحظة وثّقت فيها تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA) ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي أن غزة تعيش انهيارًا شبه كامل في القطاعات الحيوية: مستشفيات خارجة عن الخدمة، منظومة تعليمية مشلولة، دمار واسع في المساكن، وانعدام حاد في الأمن الغذائي مع مؤشرات متقدمة على المجاعة. في هذا السياق، لا يصبح منع المؤسسات الدولية مجرد إجراء تنظيمي، بل فعلًا مركزيًا في إدارة الكارثة وتعميقها.
من الناحية القانونية، يشكّل هذا السلوك خرقًا جسيمًا لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 59 التي تُلزم بتسهيل الإغاثة عندما يُحرم السكان من الإمدادات الأساسية، وليس عرقلتها أو تحويلها إلى امتياز مشروط. كما تؤكد القاعدة 55 من القانون الدولي الإنساني العرفي، وفق توثيق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واجب ضمان وصول الغذاء والدواء للسكان المدنيين. إن سحب التراخيص وفرض شروط تسجيل أمنية تعجيزية في سياق انهيار موثق للصحة والغذاء والسكن، يرقى إلى سياسة حرمان ممنهجة، وقد يشكّل جريمة حرب عندما يُستخدم التجويع وحرمان الرعاية الصحية كوسيلة ضغط جماعي، وهو ما حذّر منه عدد من مقرري الأمم المتحدة الخاصين.
الأخطر أن هذا القرار لم يُتخذ في فراغ معرفي، بل رغم تحذيرات أممية صريحة من عواقبه. منظمة الصحة العالمية أكدت أن غالبية مرافق غزة الصحية خرجت عن الخدمة، وأن ما تبقى منها يعتمد بشكل شبه كامل على دعم المنظمات الدولية من حيث الأدوية، والمستلزمات، والكوادر الطبية الطارئة. صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) حذّر من انهيار خدمات الصحة الإنجابية، ومن ارتفاع المخاطر على حياة النساء الحوامل والمرضعات. ومع ذلك، جرى تعطيل الجهات التي كانت تسد هذا الفراغ، ما ينزع عن القرار أي غطاء إجرائي، ويضعه في إطار الفعل المتعمد بعواقب معروفة مسبقًا.
ضمن هذا المشهد، تتحول النساء إلى المؤشر الأوضح على طبيعة هذه السياسة. فالنساء لا يعشن فقط فقدان الخدمات، بل يتحمّلن نتائج انهيارها كاملة: ولادة بلا رعاية طبية، أمومة في ظل الجوع، عنف بلا حماية، وإعالة قسرية بلا موارد. تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن النزاعات المسلحة ترفع معدلات وفيات الأمهات، وهو خطر تضاعف في غزة نتيجة تعطيل خدمات التوليد وتنظيم الأسرة والرعاية اللاحقة للولادة. وفي مراكز الإيواء المكتظة، حيث حذّرت تقارير UN Women وUNICEF من تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، أدى غياب المنظمات المتخصصة بالحماية إلى انهيار آليات الوقاية والاستجابة والإحالة، ما حوّل العنف إلى واقع يومي يُدار بالصمت.
في البعد الإغاثي، لا يمكن فصل منع المنظمات الدولية عن سياسة التجويع الأوسع. برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) أكدا أن غزة دخلت مرحلة انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع مؤشرات على مجاعة. ووفق هذه التقارير، فإن النساء والأطفال هم أول من يدفع ثمن انقطاع المساعدات وسلاسل الإمداد. بالنسبة للنساء المعيلات، فإن توقف برامج المساعدات النقدية والغذائية لم يعنِ فقط الجوع، بل الانزلاق السريع من الهشاشة إلى العوز الكامل، واضطرار كثيرات إلى التضحية باحتياجاتهن الصحية والغذائية لضمان بقاء أطفالهن، في انتهاك مباشر للحق في مستوى معيشي لائق كما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لكن هذه السياسة لم تبدأ عند منع المؤسسات الدولية، بل سبقتها خطوة أكثر دلالة تمثّلت في استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). تقويض الأونروا، ماليًا وسياسيًا، شكّل الضربة الأولى لمنظومة الخدمات التي تحافظ منذ عقود على الحد الأدنى من مقومات الحياة للاجئين الفلسطينيين، خصوصًا في التعليم والصحة والإغاثة. ومع إضعاف الأونروا، جرى الانتقال تدريجيًا إلى المرحلة التالية: تفريغ المشهد الإنساني من بقية الفاعلين الدوليين المستقلين، بما يضمن غياب أي بنية قادرة على توفير الخدمات أو توثيق الانتهاكات أو إبقاء القضية ضمن إطارها القانوني الدولي.
بهذا المعنى، فإن منع المؤسسات الدولية يشكّل استكمالًا لمسار سياسي واحد هدفه تجفيف شروط الحياة وإنتاج بيئة طاردة للسكان. فحين يُحرم الناس من التعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والغذاء، لا يعود النزوح نتيجة القصف وحده، بل نتيجة استحالة العيش. هذه ليست نتيجة عرضية للحرب، بل منطقها العميق: دفع السكان إلى الرحيل دون إعلان سياسة تهجير صريحة، عبر إدارة المعاناة بدل إنهائها.
إن هذا النمط من السلوك يضع مجلس حقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي. فالمسألة لم تعد تتعلق بانتهاكات متفرقة، بل بسياسة متكاملة ذات أثر تراكمي يهدد الحق في الحياة والكرامة والوجود. الاكتفاء ببيانات القلق في مواجهة هذا المسار يرقى إلى تقصير جسيم، ويقوّض مصداقية منظومة حقوق الإنسان برمتها، ويحوّل القانون الدولي إلى نصوص بلا حماية.
في غزة، تُختبر اليوم حدود النظام الدولي، وتُختبر معه قيمة الإنسان. والنساء، بما يحملنه من أعباء البقاء وسط الجوع والمرض والعنف، هن الشاهد الأوضح على هذا الاختبار. وحين يُتركْن بلا حماية وبلا خدمات وبلا أفق، فإن الصمت الدولي لا يمكن تفسيره كعجز، بل كاختيار سياسي يسمح باستمرار سياسة تستهدف الإنسان عبر تجفيف شروط حياته، تمهيدًا لإفراغ الأرض من أهلها دون الحاجة إلى إعلان ذلك صراحة.