أكتوبر الثاني.. والتداعيات

أقلام – مصدر الإخبارية

أكتوبر الثاني.. والتداعيات، بقلم الكاتب الفلسطيني أكرم عطالله، وفيما يلي نص المقال كاملًا كما وصل موقعنا:

هذه هي الكفّ التي لاطشت المخرز وأدمته.. هذه هي غزة تهز كل ما تبقى، هي غزة البائسة والفقيرة والحزينة تنفجر دفعة واحدة بما يفوق كثيراً واقعها وإمكانياتها، لتصنع واحداً من مستحيلات الواقع الذي بدا عصيّاً.
ما الذي حدث؟ حلم كبير في جانب، وكابوس أكبر على الجانب الآخر الذي ظن أنه ينام على حرير فائض القوة.

«يوم كيبور» جديد بعد خمسة عقود على الأولى لم تشف منها الذاكرة الإسرائيلية بعد لتتلقى أُخرى بعد نصف قرن. صدمة وذهول وفاجعة سادت في ساعاتها الأولى، ولن تغادر التاريخ الإسرائيلي الذي استدعى لنفسه كل هذه الحروب، وأصر على أن يعيش على السيف مُدمًى وجريحاً وملاحقاً. أضاعت إسرائيل كل الفرص العام 2000، وكانت اللحظة فارقة في تاريخها، فقد انهزمت أمام قوة «حزب الله»، وفي نفس اللحظة كانت تمارس الخديعة مع ياسر عرفات رجل السلام لتعيد صياغة عقل المنطقة نحو فعالية السلاح، وقد كان.

انهيار لم يتوقعه الأمن الإسرائيلي في أسوأ كوابيسه. كيف تدخل غزة ذات التصنيع العسكري المنزلي لتجتاح بلدات ومدناً بهذه السهولة؟ كيف كان الجيش والأمن نائمَين؟ وأين كانت الدولة التي لا تكف عن استعراض قدراتها الاستخبارية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي، ومجسات الأمن ومراقبة الأنفاس وكروكي البيوت، وحركة الناس في غزة وشوارعها ورصد غرف نومها وحساب أنفاسها؟ كيف تبخر كل هذا؟ الحساب عسير؛ فالفشل الاستخباري ذريع.

وهْم القوة وغرورها.. عنجهية التاريخ.. ادعاء التفوق القومي والعسكري والأمني والعلمي، وكل شيء، أصاب دولة بعمى القوة فأعجزها عن رؤية الفرص والتقاطها.. احتقارها للأنداد والخصوم بلا حساب ودون أن تحسب أن لسعة البعوض تدمي الفيل. كان نتنياهو يختال في الأمم المتحدة، يتحدث عن الإقليم وعن التطبيع، ويتحدث عن الفلسطينيين باعتبارهم مجرد حشرة يجب ألا تقف عائقاً أمام الدول الكبرى، ليكتشف أن أصغر منطقة في فلسطين ستصيبه بهذه الفضيحة التي ستكتب نهايته مكللاً بالعار.

ما حدث أقرب للخيال من منطق الحروب. كيف تفيق الدولة المدججة والمحصنة خلف الكتل الإسمنتية ذات صباح وتجد كل هذا العدد من المقاتلين داخل البلدات، وبكل هذه السهولة، كأن سنوات من التحصين وكاميرات الذكاء الاصطناعي، وجدار بارليف الثاني، يتم اقتحامها بكل تلك السهولة. وكيف يقع هذا العدد من الأسرى بيد المقاتلين؟ وكيف تنهار المواقع العسكرية بلا مقاومة؟ تساؤلات ستطيح بكل الرؤوس.
بالغت إسرائيل في احتقار الفلسطينيين، وبالغت في إنكار الواقع حد الجنون، وبالغت في الإمعان بالنيل من واقعهم ومستقبلهم وكرامتهم وقدسهم وأقصاهم. استنفرت كل ما فيهم من كرامة مهما كلف الثمن. فمن فتح هذه المعركة كان واضحاً أن خصمه بالغ في امتهان كرامته ولم يعد يأبه بما يخسره. كيف دفعت إسرائيل المنطقة لكل هذا وتدفع ثمنه؟ فقد سجل اقتحام المقاتلين من غزة أكبر ضربة للأمن الإسرائيلي، ليس فقط لقوة الردع التي يجري منذ أشهر الحديث عن تآكلها.. هذه المرة جرى انهيارها وسقطت الهيبة، ولن تتمكن من استعادتها مهما فعلت واستخدمت من قوة ضد غزة.

كيف ستستعيده إسرائيل التي تلقت هذه الضربة القوية؟ مجازر ضد غزة؟ وهل توقفت هذه؟ فمنذ أشهر قليلة فقط كانت تلقي بحممها على القطاع دون أن تبحث عن حلول. استمرت في حصار القطاع بلا رحمة، واستمرت في اجتياحات الضفة، ومشاهد حرق حوّارة في الذاكرة الفلسطينية، وصرخات الاستغاثة من نساء القدس، والمساس بالأسرى والتضييق عليهم، واقتحامات الأقصى التي يحرض عليها الوزير إيتمار بن غفير والذي تلقى تحذيرات من أجهزة الأمن بأنه يحمل عود ثقاب يطوف به وسط مخازن البارود، ولكن الغطرسة أبعد من أن تفهم أن صراعات الشعوب ليست لعبة ساذجة في أيدي الهواة الراسبين في علوم السياسة وساقطيها.

منذ أيام فقط كانت الذاكرة تعود لمفاجأة أكتوبر، ومراجعة لجنة أغرانات، ورأس رئيس الاستخبارات إيلي زاعيرا، ورئيس الأركان دافيد إليعازر، وإذ بأكتوبر جديد يتجسد ذات فجر في غرفة النوم. أي لجنة تحقيق جديدة ستكون؟ وكم عدد الرؤوس التي ستطير؟ ومن القاضي الذي سيترأسها؟ إنها هدية غزة وقواتها للجهاز القضائي في إسرائيل للانقضاض على نتنياهو في ذروة معركته، وهدية للبيت الأبيض ستخلصه من كابوس نتنياهو وظله الثقيل إلى غير رجعة، وهو حلم الحزب الديمقراطي منذ أكثر من ربع قرن. فهو أول ضحايا الحرب التي سالت على أرض المعركة؛ فقد جعل الإسرائيليين يدفعون كل هذا الثمن، وحطم كل الفرص، وناور على الجميع، وها هو يقع.

لجنتا تحقيق شكّلتهما إسرائيل منذ قيامها بعد حروب بادر إليها العرب، وستكون اللجنة الثالثة بعد أن تنتهي الحرب التي بدأت بالأمس. قد يكون من المبكر الحديث عن نتائج في بدايات الحرب، لكننا أمام حدث ستكون له تداعياته الكبرى جداً، وأثمانه غير القليلة، وأبعاده التي ستطال استراتيجيات كبرى في السياسة كانت ثابتة لعقدين ما قبلها ليس كما بعدها.. التحولات ستطال كل شيء.

«مقالي، أول من أمس، عن حرب 73 كان بعنوان «لحظة أكتوبر والتداعيات»، لذا كان عنوان هذا المقال «أكتوبر الثاني والتداعيات».

أقرأ أيضًا: عن ضبابية التطبيع…! بقلم أكرم عطا الله

عن ضبابية التطبيع…! بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

يتكثف الحديث عن التطبيع، وتبقى الأحجية الأكبر للمنطقة عن التطبيع السعودي مع إسرائيل، ورغم أن لا أحجيات في السياسة لكن التقارير والتصريحات تأخذ بعداً مدعاة لاستمرار البحث، فقد امتد الحديث فيه لسنوات طويلة منذ اتفاقيات ترامب قبل ثلاث سنوات بين أربع دول عربية وإسرائيل كان بنيامين نتنياهو خلالها يوقع الاتفاقيات مركزاً نظره على الدولة المركزية السعودية الجائزة الأكبر.

وتتضارب الأنباء والتصريحات والفعل أيضاً لتزيد المسألة غموضاً، وما بين الرغبة وبين الواقع النظري في لحظة ما تبدو الأمور تسير كما تريد أطرافها وفي لحظة ما تبدو الأمور أكثر استعصاء.

فمنطق السياسة وتحولاتها سواء على صعيد المملكة وتزايد ممكنات قوتها وعلى الجانب الآخر حكومة شديدة التطرف في إسرائيل تبدو الأمور متباعدة وخصوصاً لدولة بحجم السعودية تسعى بكل قوتها لامتلاك السلاح «القوة الخشنة»؟، ولكن لا أحد يعتقد أنها من السذاجة ستضحي مقابله بالقوة «الناعمة» والتي تجسدها القضية الفلسطينية حتى وإن بلغت ذروة ضعفها.

المؤشرات أيضاً متناقضة تماماً كما حملها تفسير تعيين المملكة لسفير في فلسطين، قد فسرها البعض خطوة على طريق التطبيع حيث مرور السفير من البوابة الإسرائيلية والبعض يفسرها كرسالة سعودية لإسرائيل والولايات المتحدة بتمسك الرياض بالقضية الفلسطينية وأنها تحظى بالأولوية في السياسة الخارجية للمملكة وخصوصاً أن السعودية هي صاحبة المبادرة العربية.

السعودية ليست ضد التطبيع من حيث المبدأ فقد كانت قد أعلنت ذلك قبل أن تحلم به إسرائيل منذ عقدين من خلال المبادرة العربية التي يقوم جوهرها على «التطبيع مقابل الانسحاب».

ولكن الأساس الذي طرحته السعودية هو «الثمن» ولأن العرض السعودي كان سخياً كان الثمن كبيراً وهو ما لم تتعاطَ معه حكومة شارون ولا أي حكومة بعدها بجدية.

ومنطق الأشياء أن مياهاً كثيرة جرت في نهر التوازنات رفعت ثمن «مهر» السعودية وهو ما نراه في مطالبها بمفاعل نووي واتفاق دفاعي استراتيجي، ولا أحد يظن أن هذا جاء بديلاً عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية وهو ما قاله السفير نايف السديري وقبله وزير الخارجية فيصل بن فرحان بتأكيدهما على الحقوق الفلسطينية.

لكن المقابلة التي أجراها ولي العهد السعودي قبل أسبوعين مع فوكس نيوز أحدثت قدراً من البلبلة لدى المراقبين خصوصاً حين جاء الحديث عن تحسين حياة الفلسطينيين وإن تحدث قبلها عن أهمية القضية الفلسطينية، فهل كان يقصد تحسين الحياة في إطار دولة وانتهاء الاحتلال أم تحسيناً اقتصادياً كما يريد نتنياهو؟

اقرأ/ي أيضا: صحيفة: الفلسطينيون التحدي الأخطر في الصفقة السعودية الإسرائيلية

ومؤشرات أخرى سبقت المسألة، فتح المجال الحيوي السعودي للطيران الإسرائيلي وزيارة وزير السياحة الإسرائيلي الأسبوع الماضي للرياض وهي أول زيارة علنية لوزير إسرائيلي ستتبعها هذا الأسبوع زيارة وزير الاتصالات إلى هناك، تلك باتت تشي بتغير ما بعد أن رفضت مطلع الشهر الماضي إصدار تأشيرات لوزيرين إسرائيليين الخارجية والتعليم وسط عاصفة لقاء وزيرة الخارجية الليبية بالوزير الإسرائيلي كوهين في روما.
الحديث عن اتفاق هو مخالف لحقائق الواقع رغم تشكل مؤشرات هذا الاتفاق.

فما زال هناك خلاف في إسرائيل بين المستويين العسكري الأمني والمستوى السياسي على الموافقة وحدها الجهة السياسية ممثلة بنتنياهو هي فقط التي توافق مقابل اعتراض المؤسسة العسكرية.

وفي هذا الملف لا تكفي موافقة السياسة لتمرير الأمر فالكلمة الفصل للجيش والأمن لإعطاء ضوء أخضر لإنشاء مفاعل نووي في السعودية، ليس فقط لجهة الرقابة والاقتراحات المقدمة بأن يقام في السعودية على أرض أميركية بالكامل وأن يتم استخدام وسائل الذكاء الاصطناعي للرقابة وبإدارة أميركية وأن يتم بناؤه فوق الأرض لسهولة قصفه إذا ما حدث تغير سياسي.

كل هذا ممكن التغلب عليه لكن العقدة الأكبر هي أن الموافقة الإسرائيلية تجرد تل أبيب من مبرر موقفها لامتلاك إيران للقدرة والمفاعلات النووية.

وفي نفس السياق قد يفتح مفاعل نووي سعودي شهية الدول التي ستصطف بعدها للمطالبة بتقليد السعودية ومنها مصر وتركيا والإمارات.

ولن يكون هناك أي مبرر لرفض طلباتها ما يفتح سباقاً نووياً في المنطقة في حين حرصت إسرائيل لعقود وما زالت على أن تكون القوة النووية الوحيدة في المنطقة، وعكس ذلك يعني انهياراً للسياسة الإسرائيلية التي قامت على عنصرين، منع إيران امتلاك الطاقة النووية وتفرد
إسرائيل بها في المنطقة حفاظاً على التفوق.
وبالمقابل هل يمكن للسعودية أن تلقي بالقضية الفلسطينية خلف ظهرها وتقبل بوعودات من نتنياهو كان قد خدع بها من ذهبوا لاتفاقيات سابقة ؟
فهذا يتعارض مع دولة تعتبر نفسها قلب العالم الإسلامي ومرجعه الديني، بل وتسعى لمراكمة مزيد من ممكنات القوة الناعمة في طريقها كدولة كبرى ومثال شراء لاعبين رياضيين يقول إنها تبحث عن تلك القوة وتسعى لامتلاكها بأي ثمن وهنا تبدو القضية الفلسطينية قلب تلك القوة.
ضبابية في الرؤية ما بين مؤشرات قوية على مسار التطبيع وحديث إسرائيلي وأميركي قوي وسعودي خافت وزيارات لا يمكن تجاهلها، وبالمقابل هناك استعصاءات كبيرة وتطمينات سعودية للفلسطينيين، وفوق كل ذلك هناك سياسة سعودية تشهد انفتاح علاقاتها وتعدد مصادر ما يمكن أن تحصل عليه دون أن تضطر للتضحية بشيء من حضورها.
فقد باتت على علاقة مع الصين المستعدة لتزويدها بكل ما تطلب من البيت الأبيض ومع روسيا وإيران التي قامت الرياض بتبريد خلافاتها معها وباتت طهران تعرض خدماتها النووية.
وما بين المنطق المجرد ومنطق المصالح هناك ما يشكك في مسار هذا الملف ويزيد من غموضه إذ باتت تتساوى دوافعه مع موانعه، منذ سنوات يجري الحديث عن التطبيع لكن هناك مؤشرات أخيرة مدعاة للتساؤل فلسطينياً ينبغي مراقبتها وقراءة سياقاتها

خـيـال نـتـنـيـاهـو …! بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

بات يصعب على أي مراقب تقييم الحالة النفسية لبنيامين نتنياهو وخصوصاً في وقفته الأخيرة في الأمم المتحدة وما استعرضه من خريطة كأن الرجل بات منفصلاً عن الواقع وأكثر، لا بد أن هناك مستجدات طرأت على وضعه العقلي وهذا يحدث للإنسان عندما يتعرض لسيل من الضغوط فيفقد توازنه.

يتعرض رئيس وزراء إسرائيل لضغوط تنهال عليه من كل اتجاه، من التظاهرات التي صاحبته لحظة ولادة حكومته الحالية، ومن دولة يقودها لكنها لا تقف خلفه كما يعرف الجميع، من شركائه الذين يساندونه ولكنهم يأكلون لحمه ويستبيحون حياته السياسية ويخنقونه من عنقه، من البيت الأبيض الذي جعله ينتظر باحتقار تسعة أشهر من أجل لقاء، من الصحافيين الذين ينكلون به ليل نهار، وفوق كل ذلك من دولة بات يشعر بتآكل حضورها وتلاشي تأثيرها، كل هذا يفعل فعله في الحفاظ على التوازن، لأن تلك القضايا تحتاج إلى رجل من حديد كي يحافظ على استقراره النفسي، لكنه ليس كذلك.

أتابع رحلة بنيامين نتنياهو السياسية منذ أن فاز بانتخابات الليكود العام 92 متجاوزاً جيل المؤسسين ولم يكن قد تجاوز حينها 42 عاماً، ثم فاز برئاسة وزراء اسرائيل كأصغر من شغل هذا المنصب فيها، وقرأت ما كَتَب.

وبالعودة لتاريخه فهو منذ طفولته كان ولداً جاداً، فبينما كان أخواه يوناتان وعيدو يلعبان في الحي كان هو يستغل غياب والده ليجلس على طاولته ويقرأ في مكتبته، مدرسوه تحدثوا عن شخصية رصينة وجدية، وفي شبابه لم تأخذه اهتمامات الشباب في السهر والفتيات بل القراءة وحين ذهب للتجنيد وهيئة الأركان أيضاً تحدث أصدقاؤه بنفس المنطق كيف كان مثقفاً ورصيناً وجاداً فأصبح قائداً لوحدته بسرعة قياسية.

ذات مرة كنت أستمع لأحد خطاباته في إحدى الجولات الانتخابية لمدة ساعة، لم أستمع في تاريخ إسرائيل لرجل مفوه بهذا الشكل، ذكي، يتلاعب بالألفاظ، يطوع اللغة، ماكر جداً يعرف عن أشياء شتى ورفيع الثقافة، وبالتالي يمكن لأي منا أن يعرف ببساطة كيف وصل رغم صغر سنه ولماذا كان أطول رؤساء وزراء إسرائيل صموداً في هذا المنصب …يمتلك كفاءة اللعبة، يحترف السياسة بكل مؤهلاتها، وأولها الكذب وتلك كانت توصية فريدناند أخطر ملوك أوروبا كما نقل عنه ميكافيللي في كتاب سيرته «الأمير».

لا يتوقف أفيغدور ليبرمان عن تذكير العالم «بالكاذب الكبير» أما شريكه الحميم بتسلئيل سموتريتش فقد سرب في تسجيل صوتي له يقول فيه: «نتنياهو كذاب ابن كذاب».
خلال سنوات حكمه كان يكذب بذكاء شديد وبحرفية عالية لدرجة لا يمكن كشفها، كان يخلطها بالواقع، لكن خطابه الأخير في الأمم المتحدة يكشف عن شخصية شديدة الانفصال عن هذا الواقع الذي يتغير فيه العالم، وتتغير فيه مكانة إسرائيل وعن الإقليم الذي يتحول وعن العلاقات الدولية التي تشهد هذا القدر من الفوضى يكبر نتنياهو ويكبر معه الكذب ليصبح عصياً على التصديق دون أن يلاحظ، هذا يحدث مع من يعمرون في السلطة حيث تتضخم أمراضهم.
ولشدة انفصاله عرض خريطة تشمل أيضاً قطاع غزة وهي المنطقة المنبوذة قومياً وتوراتياً والتي خرجت إسرائيل منها بعد ندم أكثر من ثلث قرن على احتلالها.

اقرأ/ي أيضا: تجدد التظاهرات ضد حكومة نتنياهو وخطتها لإضعاف القضاء للأسبوع الـ38 على التوالي

فقد نسي الرجل ما يريد المهم أن يلون الخريطة حسب الألوان التي يحلم بها وقد قرر في الخريطة أن الدول العربية تأتي للتطبيع وأن إسرائيل «الفيلا «أصبحت جزءا من «الغابة» الخضراء وأن طريقاً سيمتد من الهند لينتهي في حيفا، هكذا كل شيء بقرار من رأسه، هكذا هي الأشياء وعلى العالم أن يأتمر بأمره، على السعودية أن تأتي للحظيرة طائعة بلا نقاش أو شروط وعلى الفلسطينيين أن يجلسوا كالتلاميذ المؤدبين ولا يعترضوا على ذبح مستقبلهم وتبددهم، وعلى الرئيس الأميركي أن ينفذ البرنامج المرسوم دون أن يعترض …ما هذا؟

لننحِ الفلسطينيين جانباً فما تطلبه السعودية من اتفاقيات أمنية ومفاعل نووي لا يمر إلا عبر مجلس الشيوخ، وتعترضه عقبات ترجح عدم قدرة أي رئيس أميركي على تمريره فإذا أراد أن يكسب من أصوات الجمهوريين سيخسر الأغلبية الديمقراطية بيسارها الذي لا يمرر الاتفاق في ظل تعنت نتنياهو مع الفلسطينيين، وإذا أبدى أي مرونة تجاه الفلسطينيين سيخسر حكومته ويسقط، يتجاهل نتنياهو العارف بامتياز في السياسة الأميركية كل ذلك.
يتجاهل نتنياهو أن أربعة فقراء من مخيم خان يونس يمكن لهم أن يفتحوا حرباً تجر إسرائيل لأسابيع تهدد بوقف خط التجارة الحالم، وهذا لا يحتمله الاقتصاد العالمي فأينما ولّى وجهه سيجد الفلسطيني متربعاً أمامه بكل هدوء.

التاريخ ينتظر بابتسامته الساخرة التي كانت تسخر من حركاته البهلوانية في الأمم المتحدة، فقد قال التاريخ في هذه المنطقة كلمته إن لا شيء ينجح دون الفلسطينيين.

فمنذ فترة قصيرة فقط قال كلاماً أكثر عن اتفاقياته الإبراهيمية والتي كانت موازنات دعايتها أكبر من إنجازاتها التي تتضاءل لدرجة إحراج الشركاء فيها، هو يعرف ذلك ويحاول منذ أول رئاسة للحكومة قبل أكثر من ربع قرن، لكن فريدناند كان يعيب على السياسيين الذين لا يكذبون …! نتنياهو تلميذ نجيب.

من يراقب يدرك أن هذا الانفصال يحدث للسياسيين حين تقترب أعمارهم السياسية من النهاية، وتلك ليست بشرى لخصوم إسرائيل لأنهم يريدون نتنياهو أكثر، ليستمر هذا الخلل الذي يفصل فيه إسرائيل عن العالم ويفرمل كل مشاريع دمجها بل يقلص علاقاتها القديمة أكثر نحو مزيد من العزلة مستمراً في هذا الهذيان أو في حملة التضليل والعلاقات العامة بلا إنجازات.

الأمم المتحدة للعلاقات العامة…! بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

لم تعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بتلك الأهمية كما الماضي، عندما كان للسياسة وزنها قبل أن تختل إدارة العالم، ليس فقط بسبب التفرد في قيادته بعد نهاية عصر الأقطاب، بل بسبب دخول رأس المال كأبرز الفواعل الرئيسية جعل السياسة في العقود الأخيرة مجرد واجهة لشهيته المفتوحة بلا حدود، فأطاح بكل القواعد والمعايير.

أضعفت الأمم المتحدة نفسها كثيرا عندما حولت جلساتها إلى ما يشبه الدردشة السياسية بلا فعل، وحين تحولت قراراتها إلى مجرد حبر على ورق ليتم وحين تم احتكارها في مجلس الأمن، وأضعف مجلس الأمن نفسه عندما كان انتهازياً في قراراته وانتقائياً في تنفيذها مستأسداً ضد دول وكالنعامة ضد دول وحكومات تخترق الأعراف والمواثيق صباح مساء، وأضعفت الولايات المتحدة مجلس الأمن حين تجاوزته ووضعت نفسها بديلا عنه.

لم يبق في مؤسسات الأمم المتحدة سوى الهياكل التي لم تمنع حروباً ولم تصنع سلاماً، بل انفتحت حروباً زائدة تركت ما يكفي من المآسي في التاريخ الحديث لتبدو كما بدت عصبة الأمم في سنواتها الأخيرة. والغريب أكثر أن الولايات المتحدة التي استدعت كبار المحامين الأميركيين لصياغة مواثيق الأمم المتحدة بعد أن فشلت سابقتها بمنع الحرب في أوروبا، وأقامت المؤسسة الدولية على أرضها في إحدى ولاياتها في نيويورك هي نفسها من ساهم بإضعافها.

العالم يتغير وتلك سُنّة السياسة، فهي كالكائن الحي تتجدد خلايا وتموت أخرى، تهرم في لحظة ما، تتغير عوامل القوة وتتبدل الجغرافيا وتختلف الظروف، كان للأمم المتحدة هيبتها في عشريتها الأولى.

سقط الاتحاد السوفييتي فتغير العالم، ضعفت دول وامتلكت أخرى ممكنات قوة، وبقيت تركيبة المؤسسة حسب نتائج وموازين الحرب العالمية الثانية، وما تأسس بروح الحرب ولدغة الضمير بات ينحي هذا الضمير جانباً دون أن يرف له جفن.

تنتشر صورة لثلاثة رؤساء أميركيين كلنتون – بوش الصغير- أوباما وكتب تعليقا عليها «هؤلاء الثلاثة هاجموا تسع دول خلال ثلاثة وعشرين عاماً وتسببوا بقتل أحد عشر مليون من السكان المدنيين». وعلى امتداد ذلك كانت تجتمع الأمم المتحدة في موعدها بلا تأخير فالانتظام هنا مهم ولكن القيم والأعراف والقدرة والأخلاق شيء آخر، ربما تلك كانت تختصر كل ما يمكن أن يقال عن أهمية الأمم المتحدة وجمعيتها العامة ومجلس أمنها.

القواعد القديمة التي نشأت نتاج توازنات الأربعينات تخلخلت كثيرا، والثقافة التي أُنتجت آنذاك مصحوبة بهزة إنسانية تغيرت أيضاً، تلاشت عواصم كبرى وتضخمت عواصم كانت على الهامش أو خرجت محطمة من الحرب، فأعادت بناء نفسها، ما أحدث حراكاً عالمياً جديداً وصراعاً على مراكز القوة قد يفسر جزءا من هذا التضارب والتضاد حد الهمس عن القوة الذرية، وباتت أزمة الكون وعدم استقراره أسرى لهذا الصراع الخافت بين عالمين، عالم جديد يولد لكنه لم يتقدم وعالم قديم يرفض المغادرة. كل ذلك لم يتبلور بشكله النهائي لإعادة ترتيب للكرة الأرضية، وإلى أن يتبلور سيكلف ما يكفي من الدم وسيبقى الاجتماع السنوي للأمم المتحدة منتظماً بلا تأخير.

في طقس اجتماع الجمعية العامة يقول المتحدثون ما يريدون بلا حيلة، يفضفضون، يشتكون، يستعرضون، يتحدثون عن الأمل والتعاون والأحلام والسلام والعدل في عالم بلا سلام ولا عدل، بعضهم لا يتغيب عن الخطابات وآخرون ينامون في الجلسات بلا مبالاة من مؤسسة بلا حول ولا قوة أصبحت على هامش التاريخ وحركته وصراعاته.

الحدث الأبرز لهذا الطقس السنوي هو ذلك الطابور الطويل الذي يصطف فيه أكثر من مائة زعماء العالم الذين يشكل اسم بعضهم رعباً لشعوبهم لمصافحة الرئيس الأميركي، وأن يحظى كل منهم بملاطفة الرئيس والتقاط صورة تذكارية، فهذا يستهلك كثيراً من الوقت يزيد من زمن الانتظار الذي يتم تحت حراسة الأمن الأميركي خوفاً من تجاوز أي منهم للترتيب، ولضمان النظام في الطابور وسط ضجر وحرج الزعماء من الموقف، وخصوصاً زعماء العالم الثالث الذين تطول طوابير شعوبهم ونخبها أمامهم، لكن العالم المتقدم قد اعتاد على المساواة مع شعبه ولا يعتبر زعماؤه أن في الأمر إهانة.
كان القذافي رحمه الله يضفي جواً من المرح في هذا الطقس السنوي عندما يحضره، أما الآن فقد بات خالياً إلا من الكآبة التي يخترقها صوت الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو يناشدهم «احمونا.. احمونا» في مؤسسة يدرك كل قراء التاريخ والمشتغلين بالسياسة أنها غير قادرة على حماية نفسها وقراراتها.
ماذا ستفعل الأمم المتحدة لو اندلع صراع صيني مع جزيرة تايوان؟ ماذا ستفعل في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟ ماذا فعلت عندما اكتشفت خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل؟ هل راجعت أحداً؟ ماذا ستفعل جمعيتها العامة السنوية ومجلس أمنها في الاستيطان الإسرائيلي المتمدد رغم قراراتها ومجلس الأمن؟ لا شيء سوى الصور والعلاقات العامة…!

أوسـلـو الـعـجـيـب…! .. بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

هذا من أكثر اتفاقات التاريخ غرابة بل أغربها على الإطلاق؛ فقد قتل أبطاله وأخذ السيناريو لمساحة بعيدة جداً عن المخرج والراوي وكاتب النص، ثلاثة عقود مرت على “أوسلو” ولا يزال النقاش حاداً بين الأقطاب من الطرفين لإثبات صوابية السياسة، قتل ياسر عرفات وإسحق رابين، وأطاح بحركة “فتح”، وأسدل الستار على حزب العمل، هو الاتفاق الذي استفاد منه معارضوه فقط وسلّمهم ما يكفي من عوامل القوة لإنهاء تلك المحاولة التي حكم عليها الواقع بالإعدام.

هل كان «أوسلو» خطأً أم صواباً؟ هذا الجدل الذي لم ولن ينتهي فلسطينياً لإثبات جدارة القيادة من الصعب الإجابة بالرياضيات عن معمل التاريخ الإنساني بتجاربه الكيميائية وتداخل عناصرها، هناك مدرستان لتقييم التجربة، الأولى الكلاسيكية التي تقيس واقع اللحظة، والثانية الإبيقورية التي لا تستعجل التقييم بل تنتظر النتائج لإصدار حكمها. ومن الصعب تقييم تجربة كانت وليدة ظرفها ومناخاتها السياسية والنفسية، لكن الاتفاق في اللحظة التي تم فيها كان واضحاً أنه ليس ابن تلك اللحظة، ربما كان تقدم…! أو تأخر…!

لقد جاء الاتفاق ليعكس حكم التاريخ على الصراع الذي كان قد دار بين قوميتين على نفس الأرض. فالإسرائيلي تسلح بقوة عسكرية هائلة وإسناد دولي من قوى عظمى، وتسلح الفلسطيني بفائض ما يملكه من إرادة وعناد، لم يستطع الإسرائيلي الذي أخرج الفلسطيني من الجغرافيا أن يخرجه من التاريخ رغم كل محاولاته العاتية. بقي الفلسطيني حياً ومدافعاً وحاضراً في أحلامه حتى، وبالمقابل لم يستطع الفلسطيني هزيمة الإسرائيلي عسكرياً وإخراجه من الأرض.

وهنا كان للتاريخ أن يقول كلمته بتقاسم الأرض، بما تمكنت موازين القوى من تحقيقه كمعادلات جسدتها المعارك الممتدة في فلسطين وخارجها، ووسط محيط عربي كان يعجز عن صناعة ممكنات القوة. كانت موازين القوى العسكرية والدولية تجنح لصالح الإسرائيلي، وكان الاتفاق يعكس تلك الموازين على الأرض.

لكن ما كان كامناً تحت رماد الصراع كان أكبر من أن تتم السيطرة عليه، كأنه أحدث رجة الإفاقة لثقافة خفية لدى الشعب الإسرائيلي ليستنفر المعارضة التوراتية ويضخ في عروقها دماء جديدة.

كانت غيؤولا كوهين عضو الكنيست، وهي والدة تساحي هنغبي رئيس مجلس الأمن القومي، تتمدد متشحة بالسواد باكية أمام مبنى الكنيست يوم توقيع الاتفاق، وتتعهد بإسقاطه.. وقد كان. أما الفلسطيني فقد صدمته تجربة الخداع الإسرائيلي لينقلب بعد ذلك.

ذهب الطرفان بنوايا لا علاقة لها بالاتفاق، فالنصوص كانت ملغمة والنوايا كانت حقولاً لتلك الألغام.. ذهب الفلسطيني مدججاً بالأحلام، فيما ذهب الإسرائيلي مدججاً بسوء النوايا. وما بين فائض الحلم وفائض الدهاء كان لا بد أن ينتهي حوار الطرشان هذا بالتعارك من جديد.

وقد كانت الانتفاضة الثانية تعبيراً عن واقع النوايا، حين وصل الطرفان لنهاية الاتفاق المسقوف بخمس سنوات إلى فشل كبير، حاول كل منهما أن يعود للميدان علّه يستدعي ما يذخر به أسلحته التفاوضية، حاول عرفات أن يضغط بالسلاح لتحقيق حل تملص منه الإسرائيلي في كامب ديفيد، بعد أن أغرته سنوات من الهدوء الأمني، وهو أقصى ما يريده، فلماذا يذهب أبعد ويقدم تنازلاً أكثر، وحاول باراك «الذي عارض أوسلو» أن يكسر إرادة عرفات بالجيش المجهز لخوض معارك مع عدة دول ليقبل بشروط إدامة الاحتلال لينكسر كلاهما لصالح المعارضة.

اقرأ/ي أيضا: ماذا لدى إسرائيل لتخفيه عن أوسلو لـ 20 سنة أخرى؟!

كانت القومية اليهودية التي تستمد ثقافتها من التوراة وكردة فعل سريعة تستدعي الوريث الأيديولوجي والبيولوجي لليمين التوراتي بنيامين نتنياهو (والده بن تسيون نتنياهو كان سكرتير جابوتنسكي مؤسس اليمين قبل قرن)، ليتكفل بإزالة آثار «العدوان» والاتفاق، وكانت الانتفاضة ومحاولة عرفات – باراك تخلقان مناخات الدم التي أحدثت التحول الكبير في المزاج العام للشعبين لصالح المعارضة، لتتلاشى فكرة أو محاولة المصالحة التاريخية لتنتج انتخاباتهما معارضي الاتفاق من الجانبين، وهكذا أسدل الستار على أكثر المحاولات جدية لتحقيق تسوية لتلك القضية؛ فقد ترك كلينتون، الذي أصيب بالإحباط، رسالة وداعية على مكتب البيت الأبيض يوصي فيها بوش أن يبتعد عن هذا الملف؛ لأن «من يقترب منه يحرق أصابعه»، حسبما نقل الصحافي محمد حسنين هيكل.

لو.. ولو تلك عادة ما كانت رفيقاً دائماً لوقائع التاريخ، ماذا لو تقدم الاتفاق عقدين سابقَين؟ ربما كان سينجح، لكن اسرائيل المزهوة بقوتها حد الثمالة كانت أعمى من أن ترى الحقائق، والفلسطيني المزهو بإعادة تجميع نفسه والاستعداد لخوض معارك التحرير، خصوصاً أنه حتى الأمس كانت لديه الضفة وغزة والقدس، فقد كان يعد نفسه لما هو أبعد.

ماذا لو تأخر عقدين بعد عملية طحن أخرى، هل سيصل الجانبان منهكَين لأنه لا يمكن لأي منهما إنهاء الآخر، ويبحثان عن تجربة جديدة محملة بإرث الدم وحكمة التاريخ مرة أخرى؟ ربما.. ولكن السؤال للفلسطينيين هل بالإمكان الإعلان عن التنصل من أوسلو الذي أعاد صياغة الفكر السياسي الكوني لصالح حل الدولتين، أي حق الفلسطينيين بدولة؟ هل هي خطوة صحيحة مطالبة المجتمع الدولي أن يسقط تلك الفكرة عن أجندته؟ وإذا كان هناك إنجاز فلسطيني تاريخي تحقق من خلال أوسلو، فهو المساهمة في إزاحة اسرائيل العلمانية، وتسريع دفعها نحو الدولة الدينية لتضعف نفسها من الداخل كما يحدث حالياً.

«حملة ضد الرئيس محمود عباس لأقوال جاءت في خطابه بالمجلس الثوري، لم ينكر فيها المحرقة، قال: إنها تمّت، واستعاد تفسيرات في «لماذا تمّت؟».. تحدث عن تاريخ قديم لا يغير في مسار الأحداث.. يقابله تصريح لرئيس «الموساد» السابق تامير باردو، يعترف بإدارة اسرائيل لنظام فصل عنصري.. أي تحدث عن واقع يمكن تغيير مسار أحداثه.. يثور العالم على تصريح الرئيس الفلسطيني، ويصاب بالصمم أمام كلمات باردو.. تلك واحدة من مزحات التاريخ الصغيرة بعد مزحته الكبيرة بـ»أوسلو» الذي انسحق تحت عجلاته، وقتل الحائزين على جائزة نوبل للسلام»..!

الـمـؤقـت الـدائـم …! بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

كل شيء في حياة الفلسطينيين يبدأ مؤقتاً إلى حين تصويبه ولكنه يتحول إلى دائم، فالعوارض وخاصة المرضية منها تتحول إلى أمراض مزمنة، فاللجوء العام 48 كان مؤقتا إلى حين العودة لكن المخيمات أصبحت جزءا من الواقع، منظمة التحرير تم إنشاؤها لهدف التحرير المؤقت لتتحول مع الزمن دون أن تحرر إلى العجل المقدس الذي يجب الحفاظ عليه، حتى وإن فقدت أسباب وجودها التي تمثلت بالصدام المسلح مع إسرائيل لتحرير البلاد كما طلب عبد الناصر من أحمد الشقيري.

“أوسلو” المؤقت والمسقوف بخمس سنوات تحول إلى دائم، والسلطة التي تم تصميمها لإدارة شؤون الفلسطينيين لفترة مؤقتة تحولت إلى دائمة، والانقسام المؤقت تحول إلى دائم، والمجلس التشريعي المحدود زمنيا تحول إلى دائم، والرئيس المنتخب لولاية تحول إلى دائم والمفاوضات المؤقتة مع إسرائيل تحولت إلى دائمة وحوارات المصالحة أيضا كذلك، هكذا الأمر بالنسبة لشعب كل شيء في حياته يبدأ مؤقتا ولا ينتهي.

وحيث إن معالجة نتائج النكبة والتشتت أكبر من طاقة الفلسطينيين وخارج إرادتهم لأن الأمر حينها كان مؤامرة كونية بكى فيها رئيس أميركي مثل هاري ترومان فرحا حين حدثت، وإذا كانت منظمة التحرير لم تصل لهدفها بعد لكن باقي التفاصيل يمكن للفلسطيني أن يغير مجراها لأنها تقع في مجال إرادته وإدارته التي يملك فيها إمكانيات التأثير والتغيير، لم يتم عرض النماذج السابقة بهدف التذكير بالأزمات القائمة بقدر ما يمكن استخلاصه بانعدام كفاءة الفلسطيني في إدارة قضيته إلى الحد الذي يبدو فيه طرفا سلبيا تسوقه الأحداث دون أن يكون قادرا على التأثير فيها.

ما مناسبة التذكير بواقع شديد الوضوح حد أنه يضع أصبعه في أعيننا جميعا، ويفتح على مأساة تزداد تعقيدا لشعب ليس لديه أولوية سوى التخلص من تبعات الاحتلال ليجد أن واقعه يصبح أكثر تكريسا لأزمة الاحتلال بعيدا عن الأحلام الكبرى وشعاراته. لكن الواقع بات مختلفا بعد ثلاثة أرباع القرن على مأساته وثلاثة عقود على الاتفاق الذي أحدث تحولا في المسار التاريخي وتسبب في تعميق المأزق، كل هذا يعكس خطأ ما في المسار ولأن الفلسطيني لا يعرف المراجعة ولا التراجع ولا الوقوف عند الظواهر حتى السلبية منها محاولا التغلب على سوداويته بالشعار الوردي، أخذ هذا الواقع يتدهور أكثر.

مناسبة الأمر أن العالم يتغير ويشهد تحولات كبرى لم يتوقع سرعتها كبار المفكرين ولا المنجمين حتى، ثورة تكنولوجية تحدث انقلابا في العالم القائم، اصطفافات وتكتلات تتغير معها ممكنات القوة. تَضعف أطراف وتنهض أطراف أخرى، وحروب تعيد للصدارة دولا هامشية وتضع دولا كبرى أمام خيارات مأزومة يجيء سؤال قدرة الفلسطيني صاحب القضية الأشهر والأكثر حضورا وحيوية على موضعة نفسه من جديد، مستفيدا من التحولات الكونية وتأثيراتها التي يفترض أن يبحث عن كل خرم إبرة يستطيع منه النفاذ نحو مصلحته.

الولايات المتحدة أثبتت بالدليل القاطع أنها وسيط ليس نزيها ولا محايدا في الصراع الدائر بين الفلسطينيين وإسرائيل، وما زال هناك من يطالبها بلعب دور في إحياء مفاوضات أزمنت لتمارس هوايتها في إدارة الصراع للأبد بلا حل رغم معرفة كل قراء التاريخ بقدرتها على إلزام إسرائيل، أما أوروبا منتجة قيم العدالة بعد أن هزتها كارثة حروب كبرى ومنتجة القيم الديمقراطية تبتلع لسانها على بوابات الحدود الفلسطينية، وفي المحيط، بعض الدول العربية تكتشف أن حكومات نتنياهو التي تتعامل معهم باستخفاف ارتباطا بثقافة متجذرة هي حكومات ديمقراطية متنورة جديرة بالتطبيع المجاني بلا ثمن في مشهد بلغ ذروة سرياليته.

التغيير الأبرز في إسرائيل بوصول حكومة يمينية دينية تحدث قدرا كبيرا من التآكل في قوة إسرائيل وحضورها وعلاقاتها الدولية، فهي لا تتوقف عن صناعة الأزمات ويكفي تصريح الحركة لبن غفير وتصريح محو حوارة لسموتريتش وبيانات الراعي الأميركي وعدم استقبال نتنياهو ومنع وزرائه الالتقاء مع نظرائهم الأميركيين، وإلى حد كبير ينسحب ذلك على معظم دول العالم.

أين الفلسطيني وماذا يفعل وكيف استثمر هذا التغيير سواء الدولي أو الإسرائيلي الذي قدم له جائزة كبرى ووفر أرضية لبرنامج ومجال عمل لا ينتهي؟ لا شيء سوى الانتظار والتجميد المكلف جدا والذي لا يبقي فقط الأمور على صعوبتها بل يزيدها تعقيدا.

فالسلطة مع الزمن تتحول إلى مؤسسة خدماتية تقوم بإدارة شؤون السكان تحت الاحتلال عبر الإدارة المدنية، والانقسام الذي حدث بعد طرد حركة حماس للسلطة من غزة يؤدي مع الزمن إلى تباعد بين مجتمعين منفصلين بالمعنى النفسي والثقافي وأسس لانفصال دائم والمؤسسات التي انتخبت يوما تآكلت، كلفة الانتظار تزداد تباعا إلى الدرجة التي لا يحتملها الشعب وقضيته.

هل يمكن مراجعة التاريخ والاستفادة من التجربة؟ هذا لم يحدث ومن المشكوك أن يحدث رغم وطأة التجربة، فتلك ليست عرفا سياسيا فلسطينيا ولا عربيا حتى، هل يمكن الاستفادة من تغيرات تفرضها اللحظة الكونية؟ من المشكوك فيه أيضا رغم أن هناك فرصة وفرتها تلك اللحظة السياسية عادة تتطلب رشاقة وسرعة استجابة لأن الكلفة أقل من كلفة الانتظار، لقد اتسعت كثيرا مساحة الحركة بالنسبة للفلسطيني وتنتظر دوره، ويمكن أن يفعل الكثير وهو قادر لكن ليس قبل الوقوف أمام التجربة والمساحة والبرنامج الممكن الذي وفرته.

حزب الله يعقلن إسرائيل ..!

أقلام – مصدر الإخبارية

كتب أكرم عطا الله كيف يحول حزب الله إسرائيل إلى دولة عاقلة في المقال التالي:

مع حزب الله تتحول إسرائيل إلى دولة عاقلة، تنسحب من لبنان وتقدم تنازلات وتتوصل لحلول وسط في ملف الخلاف البحري.

ومؤخراً، وهذا أمر مثير، تفضل الحلول السلمية لإزالة خيمة للحزب على الحدود تجنباً للحرب وويلاتها، هذا مدهش وتلك إسرائيل التي لم نعرفها فهي كما قال أحد قادتها السابقين أبراهام بورغ «تعيش بالسيف».

منذ فترة أقام الحزب خيمتين على الحدود وعدة مواقع يقول إنها لمؤسسة «أخضر بلا حدود»، فيما أن اسرائيل لديها يقين أن تلك المؤسسة تستخدم غطاء لنشاطات الحزب الأمنية والعسكرية على الحدود، تطالب إسرائيل بإزالة الخيمة المتبقية.

ومدهش أن نرى شكل التعاطي الإسرائيلي مع الأزمة، تطالب العالم بالتدخل، تطلب من الأمم المتحدة أن تجد حلاً، تهمس للولايات المتحدة بالتوسط، تهدد بالحرب، اجتماعات مكثفة، إيحاءات بأن الطيارين يجلسون في قمرة القيادة، وبالنهاية لا رصاصة واحدة و لا شيء سوى تحصين سبع عشرة منشأة حيوية من مجموع أربعمائة معرضة للقصف.

«سنعيد لبنان إلى العصر الحجري» هكذا قال وزير الدفاع يوآف جالانت الذي يخيم في نيويورك محاولاً معاقبة الحزب بعيداً عن قعقعة السلاح، فيرد عليه رئيس الأركان السابق دان حالوتس «كل نقطة نضع إصبعنا عليها في إسرائيل اليوم هي نقطة ضعف، المجتمع، الجيش، الاقتصاد، العلاقات الخارجية، كل شيء، لا يوجد شيء واحد يمكن القول إنه طبيعي، أقترح عدم التباهي وكثرة الكلام من قبيل أننا سنعيد لبنان للعصر الحجري».

لماذا لم تسارع إسرائيل كعادتها للحلول الأمنية والعسكرية التي اعتادتها بل هي تتصرف بهدوء حين تعلق الأمر بلبنان ؟ لماذا لا ينطبق الأمر على الفلسطينيين وعلى سورية حيث تضرب قبل أن تصرح ولا تعرف غير حلول القوة ؟ وحين لا تجدي القوة حلولاً، يجيب القادة حين يتعرضون لسؤال: ما الحل ؟ بالقول: مزيداً من القوة، لكن هذه اللغة تتسمر في الشمال، وتتوقف إسرائيل لتتحول إلى دولة عادية تفضل الحلول السلمية وتعطي ما يكفي من الوقت لإنجازها مع الاستعداد لتقديم تنازلات.

نظرية «الأرض مقابل السلام» هي نظرية إسرائيلية تعود لأول رئيس وزراء في إسرائيل دافيد بن غوريون عندما احتلت القوات الإسرائيلية أراضي عربية ليعلن أنه سيقايض إعادتها بالسلام.

هذه النظرية وضعها في حروب العام 48 ثم جاءت حرب العام 67 التي انتصرت فيها إسرائيل على العرب فأحدثت النشوة لدى القادة الذين وصفوا في إحدى مذكرات الحرب بـ «السكارى بخمر الانتصار» أحدثت تحولاً أطاح بنظرية الأرض مقابل السلام التي حلت محلها نظرية «كل شيء يتم حله بالقوة».

وانتقلت العدوى للشارع الإسرائيلي في الانتفاضة الثانية عندما اشتد الصراع مع الفلسطينيين رافعاً شعار «دعوا الجيش ينتصر» معتقداً أن هناك من يمنع استعمال القوة مع الخصم في غياب تام لصوت العقل الذي يجب أن يدعو لحل سياسي.

لكن لنشوة الانتصارات ثقافتها، فقد أصابت المجتمع وقياداته بعمى القوة لتبلغ ذروتها مع بنيامين نتنياهو متبجحاً أنه يمكن إقامة سلام وتطبيع مجاني دون الانسحاب من أي أرض.

القوة وثقافتها أصابت المجتمع الإسرائيلي بمرض مزمن، ووجد نفسه يصارع بلا توقف يعيش على الرمح، يمضي بالحروب لا غير رغم فداحة خساراته وتزايدها «ما يحدث في الضفة نموذج».

ضربت إسرائيل العراق وضربت وتضرب سورية وتضرب في قلب طهران وتضرب في غزة وفي المدن والمخيمات في الضفة، هكذا الأمر حياتها كلها ضرب متواصل لكن حين يتعلق الأمر بلبنان يختلف الأمر، تبحث عن الحلول السلمية ….!

يسدي حزب الله خدمة كبيرة لإسرائيل حيث يعيد تصويب الفكر السياسي المشوه الذي لا يرى حلولاً إلا بالقوة ومزيداً من القوة، يأخذ بيدها نحو العقلانية ويعيد لها صوابها حين يحقق لها صدمة الإفاقة من ثمالة القوة، يأخذ وزير الجيوش نحو الأمم المتحدة كما تفعل الدول السوية والعاقلة، يجعل وزارة خارجيتها تطلب وساطة أميركية وتنتظر مفاوضات الوسيط وتستمع بهدوء بعيداً عن مبنى «الكرياه» وسيل التهديدات. هل تعرف اسرائيل أن هذه أفضل خدمة تقدم لها ؟.

وصل المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين أول من أمس إلى لبنان لمناقشة موضوع الخيمة. وحين سأله مشارك في اللقاءات عن مخاطر تلك الخيمة قال: «عسكرياً لا قيمة لها ولكنها تحولت إلى قضية معنوية، الجيش الإسرائيلي بات مهاناً أمام شعبه بسبب عجزه عن إزالة الخيمة بالقوة» في هذا التصريح شيء مهم ولافت لم نعرفه عن اسرائيل، أن يهان الجيش أمام شعبه … وأن يعجز عن استعمال القوة.

لأن التاريخ يسجل، فقد قام الحزب بعملية قبل أشهر في مجدو اعتبرها الأمن الإسرائيلي أخطر ما حدث هذا العام فصمتت إسرائيل وغابت القوة، ثم أُطلقت صواريخ من المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، سارعت إسرائيل بتبرئة الحزب حتى قبل أن ينجلي غبارها وتحميل الفصائل الفلسطينية المسؤولية … في كل ما يتعلق بلبنان نرى إسرائيل مختلفة وعاقلة … أحب أن تكون كذلك ولعل عدوى العقلانية تصيبها في الملف الفلسطيني ..!

اقرأ أيضاً:غادروا المستوطنات.. تحذير قادة الاحتلال لسكان الحدود مع لبنان بحرب مع حزب الله

“الهليون”.. خيال الواقع في رواية …! بقلم أكرم عطا الله

أقلام-مصدر الإخبارية

كيف تمكن الروائي طلال أبو شاويش من تحويل الواقع إلى خيال يغرق في واقعيته حد البكاء وحد النشوة معاً في مسار تاريخ طويل لشعب ما زال يعيش اللعبة ذاتها؟، وكأن التاريخ تسمر في هذه البقعة من الأرض وكتب عليها أن تواصل هذا المسلسل الدامي والحزين بلا توقف لحياة تشبه الروايات أبطالها ملاحقون أو في السجن أو ينتهون على عتبات المعارك.

رواية «الهليون» وهي تضاف للأدب الفلسطيني غير القادر على الإفلات من واقعه التحرري كان واضحا أن كاتبها أعد نفسه جيدا حسبما فهمت منه، كمن كان يتحضر لمهمة ثورية غاية في الدقة من معاينة للمكان الذي دارت فيه أحداث الرواية واستجواب شهود العيان وقراءة التاريخ جيدا ورسم شخصياته لتطابق واقعا فلسطينيا لا يحتاج الكثير ليتحول إلى نص لكثافة أحداثه ولاستثنائيتها حد الأسطرة أحيانا.

الرواية تسلط جانبا من جوانب الصراع الأمني بين دولة إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين تمكنت أجهزة الأمن الإسرائيلية من زراعة جاسوس يهودي بين الفلسطينيين. وتدور أحداث الرواية في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين وهو مخيم أنشأته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في الجنوب الغربي لمدينة غزة.

عاش هذا الجاسوس الذي لقبه أهل المخيم بـ»الهليون» نسبة إلى نبتة عشبية كان يأكلها الناس في مدينة يافا، فقد ادعى الجاسوس الإسرائيلي أن أصوله من تلك المدينة الساحلية بعد أن رحل إثر النكبة هو وعائلته إلى لبنان لتغرق عائلته في البحر ثم يحمله البحر من جديد إلى غزة حيث مخيم النصيرات، قبل أن يستقر في الشاطئ الذي كان يعد بؤرة المقاومة التي يقودها محمد الأسود الذي لقب بـ “جيفارا غزة» نسبة إلى تشي جيفارا.

أقام سكان المخيم صلاة الميت في الجامع الأبيض على هذا الرجل البائس المقطوع من شجرة بعد أن وجدوه ميتا في غرفته البائسة، ومن ثم دفنوا جثمان الهليون في مقبرة الشيخ رضوان، وفي نفس الليلة، جاءت طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية إلى المقبرة ليظن السكان أنهم يقومون بسرقة جثامين الأموات. ولم يفكر أحد في الرواية إلا بعد أن عرضت قناة إسرائيلية تقريرا عن ضابط إسرائيلي كبير اسمه «ديفيد هيلين» هاجر من فرنسا والتحق بالعمل بأجهزة الأمن ووقع عليه الاختبار لزرعه في غزة، ولولا ذلك التقرير لما ربط أحد بين الهليون وديفيد هيلين ليحل شيفرة تلك الطائرات ليلة موته التي كانت قد أعادت حفر القبر وأخذ الجثة لتقيم له جنازة عسكرية في إسرائيل تليق بضابط كبير.

عاش الهليون قريبا من منطقة سوق الشاطئ في غرفة حقيرة وامتهن مهنة وضيعة بإخلاء الحفر الامتصاصية للحمامات البدائية يدويا، فكان يعوم في مخلفاتها ويتقاضى مقابل ذلك أجرا بسيطا جدا، كان يبدو كالمجذوم ومحل شفقة من سكان المخيم. حدثني والد زوجتي عن الهليون واعتقدت أنه يبالغ فالأمر عصي على التصديق في البداية، لكن الروائي أجرى كل التحقيقات اللازمة قبل أن يبدأ مؤكدا التفاصيل.

بدأ أبو شاويش النص مستدعيا الضابط «يهوشع بن دافيد» الذي كان قد عمل سابقا كمحقق وحشي في قطاع غزة وقتل فلسطينيا في التحقيق وهوى ابن الهليون ليبحث عن سر موت والده هل مات طبيعيا أم قُتل؟ يستغل يهوشع نقل «منصور» وأظن أن طلال أبو شاويش استعار الاسم ليجسد شخصية المناضل التاريخي «منصور ثابت»، كان منصور في سيارة الإسعاف بعد تدخل جهات حقوقية للسماح بنقله للضفة لتلقي علاج السرطان، فيدخل يهوشع سيارة الإسعاف مهددا منصور إذا لم يكشف حقيقة موت والده لن يسمح له بالمرور، لكن منصور الذي كان يُعرف كأسطورة في التحقيق يتعامل باحتقار مع الضابط بل يقدم إجابة محيرة تجعله يزداد قهرا قبل أن يأمر بعودة منصور لغزة ليموت فيها.

صحيح أن الرواية هي ابنة واقع سريالي لكن الكاتب شحنها بالكثير من الرسائل التي تليق بكاتب تخرج من مدرسة الحركة الوطنية وأحزابها، قدم خداع الأمن الإسرائيلي المجرد من الإنسانية فالمصالح أهم من البشر، كيف تلقي بإنسان بعيدا عن زوجته وأولاده في إسرائيل بتلك الحياة الفقيرة ليعيش في غرفة حقيرة ويمتهن مهنة حقيرة ويموت بعيدا عن أسرته، يعمل في تنظيف الآبار الامتصاصية يدويا وينبغي أن يتصرف كمن فقد عقله كالمجذوم وقليل الكلام وكيف كانت تتم عمليات القتل، وكيف يستغل الاحتلال مرض الغزيين للحصول على المعلومات، مع تقديم الكاتب صورة ناصعة عن مقاومة شعبه تجسدت بأخلاق منصور وأخلاق المجموعة التي عملت معه، الكاتب أعاد المقارنة بشكلها الروائي الشيق.

في ليلة واحدة تشدك الرواية ذات الثلاثمائة صفحة وأنت تسارع في قراءة الصفحات لتعرف أين سيصل الكاتب في الفصول اللاحقة، الرواية تركز على شخصية جاسوس لكنها تلقي الضوء على واقع الفلسطينيين في قطاع غزة في أكثر سنواته صعوبة وتبلور حركته الوطنية، هي رواية تاريخية بامتياز وجديرة بالاحتفاء تؤرخ للفلسطينيين جزءا من مسارهم في هذه المنطقة التي شاء قدرها أن تعيد بناء الحركة الوطنية بعد التشتت.

اللافت أن هناك حالة ثقافية مهمة على صعيد الرواية خرجت من قطاع غزة يجسدها روائيون من أجيال مختلفة مثل عبد الله تايه ومحمد نصار وطلال أبو شاويش ومحمود جودة ويسري الغول وشفيق التلولي وغيرهم، هؤلاء بحاجة لدعم واهتمام أكبر ومساعدتهم على النشر والانتشار لا تجاهلهم كما يحدث فهم يقدمون تاريخنا المطلوب نسيانه وبشكل روائي يحمل حزننا وفرحنا وفخرنا وانتصارنا وانكسارنا.. وصورتنا أمام العالم … رواية «الهليون» كانت نموذجه الأدبي الحي والرصين …!

اقرأ/ي أيضا: عائلة يعقوب اليهودية اللبنانية تتفكك في رواية جاكوفا

صباح الخير أيها اليهودي العلماني

أقلام – مصدر الإخبارية

كتب أكرم عطا الله مخاطباً اليهودي العلماني، بهدف أن يراه كل يهودي، بعد أن نشرت عدد من الصحف العبرية مقالات له على صفحاتهم مترجمة للعبرية.

كفلسطيني سأكون مخادعاً لو أبديت أي قدر من التعاطف لما تتعرض له، بل سأكون أكثر صراحة وأقول إنني أتابع بقدر من الاهتمام لأن صدفة الأقدار شاءت أن تضعك بنفس المكان الذي كنته، ولسوء حظك أنك كنت في المكان الآخر الذي تتظاهر ضده ويتعامل معك باحتقار واستعلاء.

يدهشني أنك تندهش من تعامل الحكومة والائتلاف معك كيساري محتقر، وكأن هذه ممارسة غريبة لم يتم استخدامها في التعامل مع العرب.

أكاد أسمع صراخك العالي المنبعث من أرصفة كابلان المليئة بالبشر بما تعتبرونهم حقوقاً طبيعية بحياة ديمقراطية ومساواة، وأسمع تصريحات الحكومة التي تدير ظهرها وتمضي للأمام في النيل من الديمقراطية حيث لا ترى إلا نفسها ولا تسمع إلا صوتها. هذا الواقع عاشه ويعيشه الفلسطيني.

أنت من أقام الدولة، وأنت من لا يزال عماد الجيش والشرطة والقضاء المستهدف وأنت من قام بالسيطرة على شعب آخر والتنكر لحقوقه واستخدام القوة لقمع مطالبه بحياة كريمة وديمقراطية وعادلة.

يدور التاريخ لتشرب من نفس الكأس، ويهمني هنا أن تفكر عسى أن تلك اللحظة تضيف لوعيك شيئاً ما كان خافياً في ذروة قوتك ونشوة سلطتك قبل أن تجد نفسك فجأة مواطناً من الدرجة الثانية.

هل جربت المياه العادمة والرائحة الكريهة جداً ؟ ماذا فعلت تلك المياه بجينز الليفايس وتي شيرتات البولو وجاكيت هيوغو بوس وكل البراندات التي يرتديها ابن تل أبيب ؟

هل غطى عطر «سافاج ديور» رائحة المجاري على شعرك ؟ الفلسطيني لا يتظاهر بماركات عالمية ليس بسبب فقره الذي أنتجه احتلالكم الطويل، ولكنه أصبح صاحب خبرة امتدت لعقود في المطالبات بحقوقه وفي التعرض للمياه العادمة والرصاص أيضاً.

لأول مرة ترى خيل الشرطة الأسود العالي المخيف عن قرب إذا ما دهسك، أنت تعرف الخيل فقط في نزهات أحراش الكرمل في عطلة السبت. هل عرفت أنه كان يستخدم لعشرات السنين ضد العرب الفلسطينيين؟.

أحببت أن يفتح هذا الخيل صندوق عقلك الأسود الذي ظل مظلماً يرى تفوق اليهودي على الفلسطيني لدرجة أعطى نفسه رخصة دائمة للسيطرة عليه.
فتش في زوايا ثقافتك وقوميتك علك تجد أساساً ومرجعاً أيدلوجياً لما يحدث لديكم، هي الثقافة التي تنتج ممارستها السياسية.

ومثير أن تظاهراتك للحفاظ على إسرائيل دولة علمانية في حين أن أساسها ديني وقوميتها دينية وتعاملها مع العرب من منطلقات دينية وترفض السلام والانسحاب من الضفة لأسباب دينية باعتبارها مسرح التوراة وتتحدث عن دولة علمانية. هل تصدق نفسك ؟

أدرك أنك لم تفكر بكل هذا سابقاً وأنت ثمل بنشوة انتصارات العلمانية في الداخل وعلى المحيط وبالسيف الذي لم تغمده «شيق كان اللقاء بين نتنياهو ورئيس الأركان هرتسي هليفي، الأخير يقول إن الجيش تتراجع كفاءته لقتال العرب واحتلال الفلسطينيين، ونتنياهو يطالبه بإعلان كفاءته لضمان الاحتلال وقتال الفلسطينيين، وأنت تريدها دولة سوية وديمقراطية.

بربك هل هذا نقاش يحدث في دول ديمقراطية، الديمقراطية لا تتجزأ صديقي العلماني، وثقافة التمييز والاحتقار لا حدود لها. فهي كالدودة ما أن تنتهي من هدفها الأول حتى تزحف لتنهش الثاني.

الدودة لديكم تنهش الفلسطيني بلا توقف، احتلال ومياه عادمة وخيول سوداء ورصاص للأبد، وهي ضدكم الآن، هل فكرت في الفلسطيني وبتاريخك ومواقفك ؟ هل من لحظة تأمل في كابلان تجاه من يتعرض منذ عقود لما تتعرض له في أشهرك الأخيرة ؟ هل أنت قلق على ديمقراطيتك ؟ على حريتك ؟ وماذا عن الفلسطيني ؟ هل فكرت بذلك ؟ هل ستنهي اعتصامك في كابلان وتذهب بعدها لأداء خدمتك العسكرية في الضفة على الحواجز ؟ وتفكر بالحرية والديمقراطية ؟ هكذا ترى نفسك سوياً ومتصالحاً مع ذاتك؟.

تقاتل في الشوارع وتتحمل مياه المجاري والضرب أحياناً، ومستعد للبقاء على مدار العام لتحقيق ديمقراطية لليهود وماذا عن الفلسطينيين ؟ هل فكرت في ذلك ؟ أحياناً نحتاج إلى صدمة كبيرة للإفاقة لتعيد لنا الوعي، هل حدثت هذه الصدمة لديك أم ستنجز مهمتك في انتزاع حقوقك من اليمين الديني لتتفرغ للاستعلاء والتمييز واحتلال الفلسطيني واستمرار مصادرة حقوقه ؟

أيها العلماني قد أصدمك إذا قلت لك إن الثقافة مثل هرم بورخوف وهو مفكر يهودي: إما تتماثل وتتكامل أو لا بالكامل، هي ليست انتقائية إما أن تكون إنسانية شاملة وإما أن تكون غير إنسانية، ومحاولتك للترقيع لن يكتب لها النجاح إلا حين تحدد في أي موقع أنت.

الاحتلال حالة دكتاتورية مظلمة فإما أن تكون ديمقراطياً كاملاً وإما أن تتوقف عن التظاهر بادعاء الحرص على الديمقراطية، إلا إذا كنت تؤمن بأن الديمقراطية لليهود وأن العربي الفلسطيني ليس إنساناً وله ذيل ومتوحش كما صورت لك المناهج الدراسية «العلمانية» التي تدافع عنها، حينها يمكن لك أن تستمر بالتظاهر ولكن عليك أن تعرف أن بن غفير ليس طارئاً على مجتمعك، وأن سموتريتش ليس مستورداً من ثقافات أخرى، دقق في برنامجه وارجع لتصريح حوارة وقارن مع الكتب لتعرف من أين جاء بكل هذا، وأن مي غولان ليست نبتة شيطانية فهم ضدك وضد الفلسطيني هل اكتشفت ذلك ؟ اقرأ أول من أمس مقال إيهود باراك، الجنرال الذي يحاول متأخراً الخروج من متاهته.

ملاحظة: هذا المقال ليس موجهاً للقراء الفلسطينيين والعرب بل لليهودي العلماني وجاءت فكرة كتابته بعد أن زارني الصحافي المحترم ميرون ربابوت المتصالح مع نفسه بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية والذي انضم لطرح المفكر الفلسطيني سعيد زيداني «دولتان في وطن واحد» للتداول في الفكرة ليفاجئني بنماذج ترجمات بعض ما أكتب في الشأن الإسرائيلي في «الأيام»، وتنشر بالعبرية في إسرائيل «واي نت» و «منتدى التفكير الإقليمي». رأيتها فرصة إذا ما سمح بترجمة هذا المقال لمخاطبة الإسرائيلي العلماني المشوّه بشكل مباشر والذي يطالب بديمقراطية وهو شريك بالاحتلال ….لعلّ اللحظة في كابلان أحدثت صدمة الإفاقة ……!

اقرأ أيضاً:كتب أنطوان شلحت: الأصولية اليهودية الجديدة القديمة!

عن أزمة الراهن الفلسطيني

مقال- أكرم عطا الله

«البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكنهم لا يفعلون ذلك طوعا وفي إطار خياراتهم، بل ضمن شروط قائمة موضوعيا ومسبقا»، هذه مقولة مهمة لأحد مفكري السياسة، والمقصود هنا أن عدة عوامل تتحكم في المساحة التي يتحرك فيها السياسيون ارتباطا بالشروط والظروف والمناخات القائمة ودائمة التغيير.

إذاً، الشروط هي التي تحكم الحركة السياسية، والقرار السياسي هو نتاج ما توفره الظروف من عوامل ومساحات ويبقى الخيار في القدرة على الاستثمار بين الحد الأدنى والحد الأقصى مما توفره الظروف. وهذا يصنع الفارق بين قيادة وقيادة بين قرار وقرار بين سياسة وسياسة، وتحكم على مستوى إدارة السياسة.

واجه الفلسطينيون ظروفا غاية في الصعوبة وكانوا على وشك التبدد، ولعقدين بعد النكبة تلاشت قضيتهم وتفتت الشعب المتماسك على أرضه وكف عن التطور كوحدة واحدة وهنا ما صنعته منظمة التحرير في الستينيات من القرن الماضي. كانت معجزة بمقاييس الظروف حينها من إعادة إنتاج قيادة واحدة من العدم المشرذم وهوية واحدة ونشيد واحد ما مهد لبعث ثورة ملأت الكون ضجيجا.

ارتكبت إسرائيل خطأها الأكبر باحتلال الضفة والقطاع و القدس في حرب حزيران ما أعاد تواصل الشعب الفلسطيني في الداخل، وما مهد للانتفاضة الأولى والتي وضعت القضية على الخارطة الدولية كأولوية. واللافت في كل المراحل أن ياسر عرفات يتحرك دوما نحو الحد الأقصى مما توفره الظروف والتي خذلته مطلع التسعينيات عربيا ودوليا من حرب العراق وتفكك الاتحاد السوفيتي لتضيق مساحة الحركة إلى حدها الأدنى لتُنتج اتفاقا بمستوى أوسلو.

لكن المجتمع الفلسطيني يقف الآن بعد زلزال السياسة وارتداداته الهائلة أمام حالة لا تشبه تلك الحالة التي أخذت بالصعود منذ عقود، بل يؤشر على نوع من الذبول والتراجع إذ عادت تجمعات الشعب الفلسطيني لما يشبه التشتت والتشظي من جديد في أخطر وضع يمكن أن يهدد واقعه ومستقبله.

خلال الشهور الماضية، انشغلنا بمتابعة ومراقبة والكتابة عن المأزق الذي دخلته إسرائيل منذ انتخابات الأول من تشرين الثاني، والتي حملت أقصى اليمين المتطرف والنقيض للدولة العميقة وللهوية التي صنعتها النخبة العلمانية التي أقامت الدولة. وكان هذا على حساب التركيز على تآكل المجتمع الفلسطيني وحركته الوطنية التي هي بالقطع نتاج مجتمع سوي يقف ويصنع حركته السياسية وقرارها بما توفره الظروف السوية وقدرة تلك الحركة على الاستثمار.

بعد أن تشتت المجتمع إثر النكبة خضع لعدة نظم سياسية مختلفة لعبت دورا في التأثير على هويته الأصلية، وقد كان قد كف عن التواصل حيث خضعت الضفة للإدارة الأردنية و غزة للإدارة المصرية أما من تبقى في إسرائيل فقد تعرض لعملية أسرلة قسرية هدفت لنزعه عن محيطه العربي وجذوره الفلسطينية وهويته الأصلية، هذا أخطر ما حدث وجاء استكمال الاحتلال ليعيد تواصل الفلسطينيين ثم جاءت السلطة لتصنع منهاجا موحدا وتعيد التواصل مع فلسطينيي الداخل وحركتهم الوطنية.

الآن، هناك أزمة تعصف بالشعب الفلسطيني يجسدها غياب منظمة التحرير والصراع بين حركتي فتح و حماس والتباعد النفسي بين مجتمعي غزة والضفة، فكل منطقة باتت مجتمعا مستقلا بثقافة خاصة هي وليدة ظروفها والقرار فيها هو ابن المناخ المسيطر، وتشهد التجمعات أزمة كبيرة كل منها يتفرد بمأساته الخاصة التي لم تعد أولوية لتجمع غيره وتلك كارثة.

قطاع غزة البائس والمحاصر يبدو كمنطقة خارج الحياة، ففيها تنعدم شروط الحد الأدنى ويسيطر عليها الفقر وانعدام الكهرباء وفرص العمل والبطالة مع ارتفاع نسبة العنوسة وضياع مستقبل الشباب، وكثير من المآسي التي يعيشها الأفراد والعائلات دائمة الشكوى وحيث انعدام الأمل سوى من مصالحة لن تأتي، لكن الانحدار لا ينتظر والحروب المدمرة التي أصبحت قدرا لها لا تتوقف.

أما الضفة الغربية فمأساتها لا تقل كثيرا حيث انعدام الأفق السياسي وتشوه المعادلة مع الإسرائيلي لجهة القضايا الحياتية، والاقتحامات للمدن والمخيمات وعمليات التصفية وتسارع الاستيطان والضم وتراجع السلطة ونشوء ما يشبه نزعة التحلل في شمال الضفة والوضع الاقتصادي الضاغط.

أما فلسطينيو الداخل فقد بدأت تظهر بوادر التفكك بانتشار الجريمة المنظمة جدا وارتفاع حالات القتل الجنائي وثقافة الثأر، وتراجع الحركة الوطنية هناك والتصدع الحاصل بينها وتراجع دور القوى والأحزاب في معالجة أزمات المجتمع الذي يتعرض لعملية استهداف ممنهجة.

في لبنان، يتم ضرب تجمع آخر خارج فلسطين بعد أن تهجر الشعب الفلسطيني من سورية بفعل الحرب، وانتهى مخيم اليرموك كعاصمة الشتات ودفيئة حركته الوطنية، وتنتقل الأزمة إلى مخيم عين الحلوة وريث اليرموك في صراع متجدد بالنار لن ينتهي إلا بإضعاف وتبدد الفلسطيني وحركته الوطنية التي سيطرت لعقود وشكلت ضامنا للبقاء والصمود.

وأمام هذا المشهد وتلك الظروف وعن هذا التآكل الخطير، هل يمكن الحديث عن استمرار أو إدارة سياسة سوية وناجحة؟ هذه مسؤولية القيادة وقدرتها على إدارة السياسة ونجاحها في الاختبار، فهي أمام فعل إسرائيلي على مدار الساعة يهدف لتحطيم مجتمعها وحينها يصبح سؤال النهوض بمجتمعها وقضيتها سؤال الضرورة …. وهذه مسألة تحتاج إلى الكثير من الكلام.

Exit mobile version