رام الله - نظّمت مؤسسة محمود درويش، اليوم الاثنين، أمسية لإطلاق رواية «مستحيل. il» للكاتب والصحفي يوسف الشايب، وذلك في قاعة الجليل بمتحف محمود درويش، بمشاركة الروائيين عاطف أبو سيف وأكرم مسلم، اللذين قدّما قراءتين نقديتين تناولتا البناء الفني للرواية وأسئلتها السردية والفكرية، وعلاقتها بالواقع الفلسطيني وتحولاته.
وتوقفت المداخلتان عند تجربة الرواية في اختبار أشكال جديدة للكتابة، من خلال تداخل الأصوات وتفكيك الحكاية التقليدية، واستحضار مخيم قلنديا والجدار والذاكرة الفلسطينية، إلى جانب مساءلة العلاقة بين الفن والواقع، ومخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة للعرض والاستهلاك.
عاطف أبو سيف: بنية سردية متشظية تتجاوز الحكاية التقليدية
تناول الروائي عاطف أبو سيف التجربة السردية التي يقدمها الشايب، مشيراً إلى اعتماد الرواية على بنية رقمية متشظية تتجاوز مركزية الحكاية التقليدية، وتوظّف تقطيع الزمن وتعدد المقاطع وتداخل أصوات الكاتب والراوي والشخصيات.
ورأى أن هذه التقنيات تفتح المجال أمام أسئلة تتعلق بحدود السرد وإمكاناته في تمثيل الواقع وإعادة تخيّله، في ظل التحولات التي تشهدها الكتابة والثقافة المعاصرتان.
وأوضح أبو سيف أن الرواية تنطلق من حكاية محدودة المكان في مخيم قلنديا، خلف الجدار، لكنها توسّع أفقها السردي عبر استحضار المستقبل وعوالم المرايا والخيال العلمي والبرمجة الرقمية، بما يخلق تداخلاً بين الواقع المعيش والعوالم المتخيلة.
الجدار والمرايا والحنين إلى حيفا
وتوقف أبو سيف عند العلاقة بين المكان والزمن في الرواية، معتبراً أن الجدار والمرايا يشكلان عنصرين محوريين في بنائها؛ إذ يتحول الواقع القاسي إلى مادة لإنتاج عوالم متخيلة، فيما يظل الحنين الفلسطيني حاضراً خلف الصور والانعكاسات، ولا سيما الحنين إلى حيفا وبحرها.
كما ناقش عدداً من التحديات الفنية، من بينها تشابه مستويات اللغة والتفكير لدى الشخصيات، وتكرار بعض المقاطع والتوصيفات، متسائلاً عن مدى إسهام هذه التقنيات في تطوير الحكاية وتعميق مسارها السردي.
وفي المقابل، أشار إلى قدرة الرواية على جذب القارئ إلى عوالم متعددة حتى نهايتها، وإلى محاولتها اختبار إمكانات جديدة للسرد في سياق التحولات الرقمية والثقافية الراهنة.
وأكد أن الحكم على ما إذا كانت هذه التجربة تؤسس لشكل روائي جديد يظل مرتبطاً بمسار تطور التجربة السردية وإمكاناتها المستقبلية.
أكرم مسلم: الرواية ورشة كتابة مفتوحة
من جهته، وصف الروائي أكرم مسلم رواية «مستحيل. il» بأنها أشبه بورشة كتابة مفتوحة، تكشف للقارئ عن عملية تشكّل النص من خلال المسودات والهوامش والمقاطع المتجاورة.
وأشار إلى أن الرواية تستثمر الشك في موثوقية السرد ومرجعيته الأرشيفية، قبل أن تقود القارئ إلى أسئلة أعمق تتصل بالواقع الفلسطيني وطرق تمثيله فنياً.
وركز مسلم على مخيم قلنديا بوصفه فضاءً تتقاطع فيه آثار النكبة مع حضور الجدار، الذي لا يكتفي بمحاصرة المكان، بل يهدد، وفق قراءته، بتحويل التجربة الفلسطينية إلى واقع مألوف وقابل للتسليع والعرض.
بين الكولونيالية والنيوليبرالية والعوالم الافتراضية
واعتبر مسلم أن الرواية تفتح نقاشاً حول تورط بعض الممارسات الفنية في إنتاج الوهم بدلاً من تحرير المخيلة، وتكشف عن تقاطع الكولونيالية مع منطق النيوليبرالية والعوالم الافتراضية.
وفي هذا السياق، تصبح المأساة الإنسانية مادة للفرجة والاستهلاك، ويغدو الإنسان عرضة للاختزال في صورة أو رقم أو محتوى قابل للتداول، بما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الفن في تمثيل التجربة الإنسانية، وحدود تحويل المعاناة إلى منتج ثقافي.
ورأى مسلم أن الرواية لا تكتفي بتصوير الواقع الفلسطيني، بل تسائل أيضاً الآليات التي يُعاد من خلالها تقديم هذا الواقع وتشكيل صورته أمام الآخرين، خصوصاً عندما تتحول التجربة الإنسانية إلى مادة قابلة للاستهلاك في الفضاءات الفنية والافتراضية.
أبو حسن ورفض الانخراط في «السيستم»
وفي قراءته لشخصية أبي حسن، اعتبر مسلم أن رفضها الانخراط في «السيستم» يمثل جوهر الحكاية، بوصفه تمسكاً بالوجود الإنساني في مواجهة محاولات تحويل الإنسان إلى قصة أو مادة فنية.
وأشار إلى أن الرواية تطوّر أسئلتها من داخل عالمها وشخصياتها، وتطرح تأملات في الحقيقة والذاكرة والمقاومة، وفي قدرة الفرد على رفض الأنظمة التي تسعى إلى إعادة تشكيل حياته وتحديد صورته أمام الآخرين.
ويبرز هذا البعد، وفق قراءة مسلم، التوتر بين الإنسان بوصفه ذاتاً فاعلة تمتلك القدرة على الاختيار والرفض، وبين محاولات اختزاله في تمثيلات جاهزة تفرضها أنظمة السيطرة وآليات الاستهلاك.
الرواية الفلسطينية بين الواقع والخيال
وتتقاطع القراءتان النقديتان عند اعتبار «مستحيل. il» تجربة سردية تختبر العلاقة بين الواقع والخيال، وبين الحكاية التقليدية وأشكال الكتابة المتشظية، في سياق فلسطيني تفرض فيه الجدران والحصار والذاكرة أسئلتها على الأدب والفن.
كما تبرزان التوتر بين تحويل المعاناة إلى مشهد قابل للاستهلاك، وبين استعادة الإنسان بوصفه ذاتاً فاعلة، لا مجرد موضوع للرواية أو الفرجة.
وتأتي الأمسية ضمن الأنشطة الثقافية التي تنظمها مؤسسة محمود درويش، لإتاحة المجال أمام الحوار النقدي حول الإصدارات الأدبية الفلسطينية الجديدة، ومناقشة التحولات التي تشهدها الكتابة الروائية وعلاقتها بالأسئلة السياسية والاجتماعية والإنسانية التي يطرحها الواقع الفلسطيني.






