رؤى قنن – شبكة مصدر الإخبارية
ثلاث سنوات مرّت على الحرب في قطاع غزة، لكنها لم تمرّ على سكانه كأيامٍ عابرة؛ فقد تركت وراءها آلاف العائلات التي فقدت أبناءها، ومئات الآلاف من المصابين، وبيوتًا تحولت إلى ركام، ومدارس أغلقت أبوابها، ومستشفيات خرج بعضها عن الخدمة، ومصانع وحقول ومرافق حيوية لم تعد قادرة على العمل كما كانت قبل الحرب.
وفي قطاعٍ اعتاد سكانه على الحصار والأزمات، جاءت الحرب لتدفع الأوضاع الإنسانية والاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما امتد أثرها من الإنسان إلى المكان، ومن المنزل إلى المدرسة والمستشفى والمصنع والحقل، وصولًا إلى شبكات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية.
وبعد ثلاثة أعوام، لم تعد حصيلة الحرب تُقاس بعدد الشهداء والجرحى فقط، بل بما خلّفته من خسائر وأضرار طالت مختلف تفاصيل الحياة في غزة، في وقت لا تزال فيه عملية التعافي وإعادة الإعمار تواجه احتياجات هائلة.
الإنسان أولًا.. آلاف الضحايا
تكشف أحدث البيانات أن حصيلة الحرب تجاوزت عشرات الآلاف من الشهداء، بينهم آلاف الأطفال والنساء وكبار السن، إلى جانب عشرات الآلاف من المصابين، فيما فقدت عائلات بأكملها أفرادها أو منازلها أو مصادر رزقها.
وبحسب أحدث البيانات المتاحة، بلغ عدد الشهداء نحو 74 ألفًا، فيما تجاوز عدد المصابين 175 ألفًا، في حصيلة تعكس حجم الخسائر البشرية التي تكبدها القطاع خلال سنوات الحرب.
ولم تقتصر الخسائر البشرية على المدنيين، إذ شملت الطواقم الطبية والصحفيين والعاملين في التعليم، ما أدى إلى فقدان جزء من الكوادر التي كانت تقدم خدمات أساسية للسكان.
المستشفيات.. علاجٌ تحت الركام
كان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تعرضًا للضربات خلال الحرب، فمن أصل 38 مستشفى كانت تعمل في غزة قبل الحرب، بات نحو 22 مستشفى فقط تعمل بدرجات متفاوتة، فيما خرجت مستشفيات أخرى عن الخدمة بصورة كاملة أو جزئية.
ولم تتوقف الأضرار عند المباني، إذ انعكست على قدرة القطاع الصحي على استقبال المرضى وإجراء العمليات وتقديم الخدمات التشخيصية، في وقت تراجعت فيه أعداد الكوادر الطبية وتضررت أجهزة ومرافق صحية أساسية.
وهكذا تحولت المستشفيات من أماكن يفترض أن توفر العلاج إلى مرافق تعمل في ظروف استثنائية، وسط احتياجات تفوق قدراتها.
التعليم.. جيلٌ حُرم من مدرسته
فقد تعرضت الغالبية العظمى من مباني المدارس في القطاع للضرر أو الدمار، بينما حُرم مئات آلاف الأطفال من الانتظام في التعليم الحضوري لفترات طويلة.
وبحسب البيانات الأممية، تضررت أو دُمرت نحو 98% من مباني المدارس، فيما بقي مئات آلاف الأطفال خارج العملية التعليمية المنتظمة.
وبذلك لم تخسر غزة مباني تعليمية فحسب، بل واجه جيل كامل خطر فقدان سنوات من التعليم، وما يترتب على ذلك من آثار طويلة الأمد على مستقبله.
البيوت.. غزة التي تغير شكلها
من أكثر الصور اختصارًا لحجم الدمار ما حلّ بالمساكن، فقد تضرر نحو 201 ألف مبنى في قطاع غزة، أي قرابة 82% من إجمالي المباني، بينها أكثر من 134 ألف مبنى تعرض للدمار الكامل.
كما تعرضت مئات آلاف الوحدات السكنية للضرر، ما دفع أعدادًا ضخمة من السكان إلى النزوح والعيش في الخيام أو مراكز الإيواء أو مبانٍ غير آمنة.
ومع اقتراب كل موسم شتاء، تتجدد مخاوف العائلات التي فقدت منازلها من الأمطار والبرد والفيضانات، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من النازحين تبحث عن مأوى أكثر أمانًا.
60 مليون طن من الركام
خلفت الحرب حجمًا هائلًا من الركام يقدّر بنحو 60 مليون طن، ولا يمثل هذا الركام مخلفات حرب فحسب، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي في غزة، يغلق الطرق، ويعيق إعادة بناء الأحياء، ويخفي مخاطر الذخائر غير المنفجرة، ويزيد صعوبة عودة السكان إلى المناطق التي نزحوا منها.
وفي بلد صغير المساحة مثل قطاع غزة، يمثل التخلص من هذا الحجم من الركام تحديًا ضخمًا لسنوات قادمة.
اقتصادٌ فقد معظم قدرته
فقد انكمش اقتصاد غزة بنحو 84%، فيما قُدرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار.
وبذلك تقترب قيمة الأضرار والخسائر الإجمالية من 58 مليار دولار، بينما تقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
هذه الأرقام لا تعكس خسائر مالية مجردة، وإنما تعني مصانع توقفت، ومحال أغلقت، ومزارع تضررت، وعائلات فقدت مصادر دخلها، وسوقًا محلية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإنتاج.
المصانع.. عجلة إنتاج توقفت
تضرر قطاع التجارة والصناعة بصورة كبيرة، وقدرت أضرار القطاع بنحو 6.35 مليار دولار، فبعد ثلاث سنوات، لم تعد معظم المنشآت الصناعية إلى نشاطها الطبيعي؛ إذ أظهرت أحدث المؤشرات المتاحة عودة نسبة محدودة فقط من المنشآت إلى العمل.
وهكذا لم تؤد الحرب إلى تدمير منشآت الإنتاج فحسب، بل أضعفت قدرة غزة على توفير فرص العمل وتحريك اقتصادها المحلي.
الزراعة.. الأرض التي فقدت قدرتها على الإنتاج
وتشير التقديرات إلى أن نحو 96% من الأراضي الزراعية تضررت أو أصبحت غير متاحة، فيما تعرضت نسبة كبيرة من البنية التحتية الزراعية للضرر أو الدمار.
وفي يونيو/حزيران 2026، لم تكن سوى نسبة محدودة جدًا من الأراضي الزراعية متاحة وغير متضررة.
وتمثل هذه الأرقام المعنىاليومي في مزارع فقد أرضه، ومصدر دخل اختفى، وإنتاج غذائي تراجع، واعتماد أكبر على المساعدات والاستيراد.
المياه والصرف الصحي.. أزمة أخرى خلف الحرب
لم تتوقف الأضرار عند المباني والمنشآت، بل طالت شبكات المياه والصرف الصحي، فأشارت البيانات إلى تضرر أو تدمير نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ما جعل الحصول على مياه آمنة وخدمات صرف صحي منتظمة تحديًا إضافيًا للسكان.
وتكشف نتائج فحوص المياه عن استمرار مخاطر تتعلق بجودة المياه، بما يزيد من المخاوف الصحية، خصوصًا لدى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
النزوح.. حياة معلقة
خلال الحرب، تعرض نحو 1.9 مليون شخص للنزوح، كثير منهم أكثر من مرة، ومع تضرر أو تدمير جزء كبير من المساكن، وجد النازحون أنفسهم أمام خيارات محدودة بين الخيام ومراكز الإيواء والمباني المتضررة.
ولا تزال مئات آلاف الأسر تواجه ظروفًا سكنية صعبة، فيما يعيش عشرات الآلاف في مواقع معرضة للفيضانات أو في مبانٍ غير آمنة.
ثلاث سنوات.. والعداد لم يتوقف
بعد ثلاثة أعوام من الحرب، تبدو الحصيلة أكبر من أن تختصرها صورة واحدة أو رقم واحد، فوراء كل رقم عائلة، وخلف كل مبنى مدمر قصة، وكل مدرسة مغلقة تعني أطفالًا فقدوا سنوات من التعليم، وكل مصنع متوقف يعني عمالًا فقدوا مصادر دخلهم، وكل مستشفى خرج عن الخدمة يعني مرضى تقلصت أمامهم فرص الحصول على العلاج.
لقد غيرت الحرب وجه غزة، ولم تترك قطاعًا بمعزل عن آثارها؛ من الإنسان الذي فقد حياته أو منزله، إلى الاقتصاد الذي انكمش، والأرض التي تضررت، والمدرسة التي أغلقت، والمستشفى الذي توقف، والبنية التحتية التي تحتاج إلى إعادة بناء.
وبينما تشير التقديرات إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار قد تصل إلى 71.4 مليار دولار، فإن السؤال الأكبر يبقى: كم من الوقت تحتاج غزة كي تستعيد ما فقدته، وكم جيلًا سيحمل آثار حرب السنوات الثلاث؟
غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء ما تهدم من حجر، بل إلى استعادة ما فقدته من حياة.







