تل أبيب - أوعز رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بإجراء فحص شامل لجميع جوانب أمن الطيران المدني الأجنبي في إسرائيل، على خلفية حادثة طائرة «فلاي دبي» التي لا تزال تثير تداعيات أمنية وسياسية في إسرائيل.
وقال مكتب نتنياهو، في بيان صدر مساء الأحد، إن رئيس الحكومة أصدر تعليماته بإجراء «فحص شامل لجميع جوانب أمن الطيران المدني الأجنبي في إسرائيل»، وكلّف رئيس جهاز الأمن القومي، شموئيل بن عزرا، بتعيين مفتش للإشراف على عملية الفحص.
ويأتي القرار في أعقاب نشر وثيقة داخلية إسرائيلية كشفت عن إخفاقات ممتدة لسنوات في منظومة تأمين الرحلات الجوية الأجنبية العاملة في إسرائيل، بما في ذلك عدم تنفيذ قرارات حكومية وتحذيرات متكررة بشأن نقص الطواقم والصلاحيات والموارد.
وثيقة داخلية وتحذيرات سابقة
وبحسب ما أوردته إذاعة الجيش الإسرائيلي، أظهرت وثيقة صادرة عن مجلس الأمن القومي أن وزارة المواصلات لم تنفذ مسؤوليات أُسندت إليها في مجال تأمين الرحلات الأجنبية، رغم قرارات حكومية صدرت منذ عام 2021 وتحذيرات لاحقة من جهات أمنية ومهنية.
وتشير المعطيات التي أوردتها التقارير الإسرائيلية إلى وجود خلافات متراكمة بشأن توزيع المسؤوليات بين الأجهزة الأمنية ووزارة المواصلات، ولا سيما فيما يتعلق بفحص أطقم الطائرات الأجنبية التي تعمل على خطوط إلى إسرائيل.
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية «كان 11»، فإن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» يتولى أمن شركات الطيران الإسرائيلية، في حين تقع مسؤولية الرحلات المستأجرة لصالح شركات أجنبية ضمن صلاحيات وزارة المواصلات.
وأشارت الهيئة إلى حادثة سابقة خلال عمليات إجلاء إسرائيليين من دبي في فترة الحرب مع إيران، عندما هبطت في إسرائيل طائرة مستأجرة تحمل شعارات مولدوفية وكان طاقمها من المواطنين الإندونيسيين، رغم أن وجودهم في إسرائيل لم يكن مفترضًا وفق الإجراءات المعمول بها.
تقارير عن نية لاستهداف مطار بن غوريون
وتتصاعد في إسرائيل التقارير بشأن الدوافع المحتملة لمساعد الطيار العُماني همام الهمامي، الذي كان على متن رحلة «فلاي دبي» المتجهة إلى تل أبيب.
وبحسب تقرير للقناة 12 الإسرائيلية، أفاد مساعد الطيار خلال استجوابه بأنه كان يخطط لتحطيم الطائرة في مطار بن غوريون، فيما ذكرت «يديعوت أحرونوت»، وفق ما نقلته التقارير، أنه كان يخطط في حال تعذر الوصول إلى المطار الإسرائيلي لتحطيم الطائرة في إحدى القواعد العسكرية الأميركية في الأردن.
وتفيد التقارير الإسرائيلية بأن التحقيقات تتركز على احتمال أن يكون مساعد الطيار قد خطط للعملية مسبقًا، وأنه استفاد من رحلات سابقة إلى إسرائيل لجمع معلومات والاستعداد لتنفيذ خطته. كما نقلت التقارير أنه كان قد خطط لتنفيذ هجوم خلال رحلة سابقة في تموز/يوليو، لكنه تراجع عنه بعد أن كوّن علاقة مع أحد أفراد الطاقم.
وتبقى هذه التفاصيل في إطار ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية نقلاً عن مصادر مرتبطة بالتحقيق، في حين لم يعلن بصورة مستقلة عن جميع نتائج التحقيق الرسمية.
مسؤولون أمنيون يحملون وزارة المواصلات المسؤولية
وفي ظل هذه المعطيات، نقلت «كان 11» عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين رفيعي المستوى اتهامهم إدارة أمن الطيران في وزارة المواصلات بالإخفاق في منع صعود مساعد الطيار العُماني إلى متن رحلة «فلاي دبي» المتجهة إلى إسرائيل.
وقال المسؤولون، وفق التقرير، إن المسؤولية تقع على عاتق مركز عمليات أمن الطيران، وإنه كان يتعين عليه تنفيذ إجراءات الفحص المطلوبة.
واعتبر أحد المسؤولين، بحسب الهيئة، أن وجود طيار عُماني على متن طائرة متجهة إلى إسرائيل كان ينبغي أن يثير تساؤلات أمنية مسبقة.
وتشير هذه الاتهامات إلى خلاف حول الجهة التي كان ينبغي أن تتحقق من خلفية أفراد طواقم الطائرات الأجنبية، في وقت تؤكد فيه التقارير وجود تداخل في المسؤوليات بين وزارة المواصلات والأجهزة الأمنية.
انتقادات واسعة للحكومة
وأثارت الحادثة انتقادات من قادة المعارضة الإسرائيلية، الذين اعتبروا ما جرى نتيجة لإخفاقات حكومية وأمنية، وطالبوا بتحمل المسؤولية وإجراء تحقيق شامل.
وقال رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، إن الحكومة الحالية تتجنب تحمل المسؤولية، معتبرًا أن وزيرة المواصلات ميري ريغيف كان ينبغي أن تستقيل أو أن تتم إقالتها على خلفية الحادثة.
من جهته، وصف رئيس الحكومة الأسبق ورئيس حزب «بياحَد»، نفتالي بينيت، ما جرى بأنه «تقصير حكومي» شديد الخطورة، وطالب الحكومة بتقديم إجابات حول مستوى أمن الطيران إلى إسرائيل، وإمكانية دخول طيارين من دول معادية أو ذات مخاطر أمنية إلى البلاد، والإجراءات التي اتخذتها لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وقال بينيت إن أي حكومة مسؤولة كان ينبغي أن تتعامل مع الحادث باعتباره أزمة أمنية خطيرة وأن تطلب إجابات فورية من وزارة المواصلات.
بدوره، انتقد زعيم المعارضة يائير لبيد إعلان نتنياهو إجراء فحص، معتبرًا أن الإعلان وحده لا يكفي في ضوء ما وصفه بسلسلة الإخفاقات التي سبقت الحادثة، مشيرًا إلى تحذيرات سابقة أصدرها مراقب الدولة الإسرائيلي بشأن أمن الطيران.
أما رئيس حزب «الديمقراطيين»، يائير غولان، فاعتبر الحادثة دليلًا، بحسب وصفه، على ما سماه «الانهيار المؤسسي»، وحمّل الحكومة مسؤولية الإخفاق في ضمان أمن المجال الجوي والرحلات الأجنبية.
ليبرمان يطالب بمحاسبة المسؤولين
وانضم رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، إلى المنتقدين، متسائلًا عن كيفية تمكن مساعد طيار أُقيل، بحسب روايته، من شركات طيران بسبب مواقف متطرفة ومنشورات مؤيدة لتنظيم القاعدة من الوصول إلى طائرة متجهة إلى إسرائيل.
كما أشار ليبرمان إلى ما وصفه بتقارير مقلقة بشأن طيارين إيرانيين وسوريين يعملون لدى شركات طيران أجنبية تنشط في إسرائيل.
وبصفته وزيرًا سابقًا للمواصلات والأمن، قال ليبرمان إن أمن شركات الطيران العاملة في إسرائيل والترتيبات الأمنية المرتبطة بالرحلات القادمة إلى البلاد والمغادرة منها يقع ضمن نطاق مسؤولية «الشاباك»، داعيًا إلى تحميل المسؤولين عن الإخفاق مسؤولياتهم.
في المقابل، قال رئيس الكنيست أمير أوحانا إنه لا يعرف تفاصيل الصلاحيات والقدرات المتاحة لوزارة المواصلات، متسائلًا عما إذا كان فحص خلفيات أفراد طواقم الرحلات الأجنبية يقع أصلًا ضمن مسؤولية الوزارة أو الأجهزة الأمنية التي تمتلك قدرات استخبارية أوسع.
تفاصيل حادثة «فلاي دبي»
وكانت طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي»، من طراز «بوينغ 737»، متجهة إلى تل أبيب الأربعاء الماضي عندما انقطع الاتصال بها أثناء تحليقها فوق شمال غربي السعودية.
وبحسب الرواية التي قدمتها السلطات الإسرائيلية والتقارير الإعلامية الأولية، نشب عراك داخل قمرة القيادة بين قائد الطائرة ومساعده، قبل أن يتمكن قائد الطائرة من فتح باب القمرة ودخول عدد من الركاب إليها والسيطرة على المساعد.
وسارعت إسرائيل إلى طرح رواية تفيد بأن مساعد الطيار حاول السيطرة على الطائرة وإسقاطها. وقال نتنياهو، الخميس، إن مساعد قائد الطائرة خضع، بحسب تقديره، لـ«تلقين عقائدي إسلامي متطرف»، وإنه هتف للطاقم طالبًا قتله، معتبرًا ذلك مؤشرًا على أنه كان ينوي تنفيذ عملية انتحارية.
كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في اليوم نفسه، أنه سيرد بضربة «قوية جدًا» على إيران إذا ثبت تورطها في الحادثة، وقال إنه يرجح هذه الفرضية.
وفي ظل استمرار التحقيقات وتضارب بعض الروايات بشأن دوافع مساعد الطيار، يركز الفحص الذي أمر به نتنياهو على السؤال الأوسع المتعلق بكيفية اجتياز أفراد طواقم الطائرات الأجنبية لإجراءات الأمن والفحص قبل السماح لهم بالعمل على رحلات متجهة إلى إسرائيل، وما إذا كانت الثغرات التي كشفتها الحادثة تمثل خللًا فرديًا أم مشكلة أوسع في منظومة أمن الطيران المدني.







