وكالات - قفزت معدلات التضخم في أكبر اقتصادات منطقة اليورو خلال سبتمبر، مع تجاوز القراءات الأولية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا توقعات المحللين، في موجة صعود تقودها أسعار الطاقة وتعيد الضغوط التضخمية إلى صدارة اهتمامات البنك المركزي الأوروبي.
وسجل التضخم المنسق مع معايير الاتحاد الأوروبي في إسبانيا 5% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023، بينما بلغ 4.1% في إيطاليا و3.4% في فرنسا و3.3% في ألمانيا. وتجاوزت المعدلات في الدول الأربع تقديرات الأسواق.
ويأتي هذا التسارع بعد موجة ارتفاع قوية في أسعار الطاقة، ما يثير مخاوف من انتقال الضغوط إلى بقية مكونات الاقتصاد الأوروبي، رغم أن البيانات الحالية تشير إلى أن التضخم الأساسي لا يزال أكثر احتواءً من المعدل العام.
الطاقة تقود موجة ارتفاع الأسعار
تُعد تكاليف الوقود والطاقة المحرك الرئيسي لموجة التضخم الحالية، في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز على خلفية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي ألمانيا، ارتفع تضخم أسعار الطاقة إلى 14.9% في سبتمبر، مقارنة مع 10.5% في أغسطس، بينما استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، عند 2.4% للشهر الثالث على التوالي.
وتشير هذه البيانات إلى أن الجزء الأكبر من موجة التضخم الحالية لا يزال مرتبطاً بالطاقة، وهو ما يراقبه البنك المركزي الأوروبي لتحديد ما إذا كانت الصدمة ستنتقل إلى أسعار الخدمات والأجور وبقية مكونات الاقتصاد.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد توقع في سبتمبر أن يبلغ متوسط التضخم العام 3% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 و2.1% في 2028، فيما يتوقع أن يبلغ التضخم باستثناء الطاقة والغذاء 2.5% خلال العام الحالي.
منطقة اليورو تترقب بيانات التضخم
وتتجه الأنظار الآن إلى بيانات التضخم لمنطقة اليورو المقرر صدورها الجمعة، وسط توقعات بأن يرتفع معدل التضخم العام إلى نحو 3.6% في سبتمبر، مقارنة مع 3.2% في أغسطس، وفق استطلاع أجرته «رويترز» شمل اقتصاديين.
ويزيد تجاوز معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى للتوقعات من احتمال أن تأتي القراءة الإجمالية لمنطقة اليورو أعلى من تقديرات الأسواق، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة في مستوياتها المرتفعة.
وكانت تقديرات «بلومبرغ» الواردة في التقرير الأصلي تشير إلى متوسط توقعات عند 3.7% للتضخم في منطقة اليورو، مع احتمال أن تقترب القراءة من 4% في وقت لاحق من العام إذا استمرت ضغوط الطاقة.
البنك المركزي الأوروبي يراقب انتقال الصدمة
وتضع هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي أمام مهمة دقيقة، إذ إن ارتفاع التضخم العام لا يعني بالضرورة انتقال الاقتصاد إلى موجة تضخمية واسعة النطاق.
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن صدمة التضخم الحالية مرتبطة بصورة أساسية بارتفاع أسعار النفط والغاز، مشيرة إلى عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على آثار الجولة الثانية، مثل انتقال ارتفاع الطاقة إلى الأجور ثم إلى الأسعار على نطاق واسع.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، لتصل فائدة تسهيلات الإيداع إلى 2.50%، وسعر عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65%، وسعر الإقراض الهامشي إلى 2.90%.
رهانات الأسواق على رفع الفائدة
وتترقب الأسواق اجتماع البنك المركزي الأوروبي المقرر في 29 أكتوبر، وسط تراجع الرهانات على رفع جديد للفائدة في الاجتماع المقبل، مع استمرار النقاش حول مدى تأثير صدمة الطاقة في التضخم الأساسي.
ووفق تقديرات الأسواق الواردة في التقرير، يبلغ احتمال رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في أكتوبر نحو الثلث، بينما تتوقع الأسواق تشديداً نقدياً إضافياً خلال الأشهر التالية.
ويرى بعض الاقتصاديين أن الأسواق قد تكون قللت من تقدير احتمالات رفع الفائدة، خصوصاً إذا استمرت أسعار النفط والطاقة في الارتفاع وأظهرت بيانات التضخم المقبلة انتقالاً تدريجياً للضغوط إلى مكونات الأسعار الأساسية.
لاغارد: أسعار الفائدة لا تتحرك تلقائياً مع الطاقة
وتسعى لاغارد إلى الفصل بين ارتفاع أسعار الطاقة ومسار أسعار الفائدة، مؤكدة أن تحرك أسعار الفائدة لا يحدث بصورة آلية بالتوازي مع أسعار النفط والطاقة.
وفي تصريحات حديثة، قالت إن البنك المركزي الأوروبي يتبع نهجاً متدرجاً في التعامل مع موجة التضخم، مع مراقبة مدى استمرار صدمة الطاقة وتأثيرها في التضخم الأساسي والأجور والطلب المحلي.
كما أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل يمكن أن يضغط على النمو الاقتصادي ويحد من انتقال صدمة الأسعار إلى بقية الاقتصاد، وهو ما يضيف بُعداً آخر إلى معادلة السياسة النقدية.
التضخم الأساسي يبقى محور القرار
ويظل التضخم الأساسي أحد أهم المؤشرات التي سيراقبها البنك المركزي الأوروبي خلال الفترة المقبلة، لأنه يساعد في تحديد ما إذا كانت موجة ارتفاع الطاقة ستبقى مؤقتة ومحصورة في قطاع الطاقة، أم ستنتقل إلى قطاعات أخرى.
وفي ألمانيا، ظل التضخم الأساسي عند 2.4% في سبتمبر، رغم الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز يمثل أحد أبرز المخاطر على مسار التضخم الأوروبي، لكن مدى انتقال هذه الزيادة إلى الأجور وأسعار الخدمات والسلع الأخرى سيظل عاملاً حاسماً في تحديد قرارات البنك المركزي الأوروبي المقبلة.
ارتفاع الفائدة يضع النمو تحت الضغط
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع التضخم على تكلفة المعيشة، إذ يمكن لاستمرار تشديد السياسة النقدية وارتفاع تكاليف الاقتراض أن يضغطا على الاستثمار والاستهلاك والنمو الاقتصادي.
وفي المقابل، يرى البنك المركزي الأوروبي أن اقتصاد منطقة اليورو أظهر قدرة على الصمود أمام صدمات الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية، مع استمرار الاستثمار وتحسن بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن الفائدة سيعتمد بدرجة كبيرة على مسار أسعار الطاقة، واتجاه التضخم الأساسي، وتطور الأجور والطلب المحلي، إلى جانب البيانات الاقتصادية التي ستصدر قبل اجتماع أكتوبر وبعده.







