رؤى قنن– مصدر الإخبارية
مع اقتراب فصل الشتاء، تستعد عائلات في قطاع غزة لموسم جديد من الأمطار والبرد وسط ظروف معيشية قاسية، بعدما أنهكت سنوات النزوح خيامهم، وألحقت الأضرار بمنازل أخرى باتت تفتقر إلى مقومات الحماية والأمان.
ففي مخيمات النزوح، لم تعد الخيام التي تستخدمها عائلات منذ أكثر من ثلاثة أعوام قادرة على الصمود أمام الظروف الجوية، بعدما أنهكتها الشمس والرياح وطول فترة الاستخدام، فيما تحاول الأسر معالجة ما يمكن من أضرارها بما يتوفر لديها من إمكانات محدودة.
وتقول أسماء حمدان النازحة في مخيمات دير البلح إن المياه تتسرب إلى داخل خيمتهم خلال هطول الأمطار، فيما تتسبب الرياح بتمزيق أجزاء منها، مشيرة إلى أن الخيمة تعرضت في مرات سابقة للغرق، ما أدى إلى تلف الملابس والطعام وفقدان كثير من الاحتياجات التي كانت الأسرة تحتفظ بها داخلها.
وتضيف لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أن العائلة اضطرت إلى شراء شوادر وقطع من النايلون لتغطية الخيمة وحمايتها من مياه الأمطار، إلا أن أسعار هذه المواد كانت مرتفعة مقارنة بقدرتهم على تحمل تكاليفها.
ولا يكمن الخوف في تسرّب المياه فحسب، إذ تخشى العائلات من أن تكون الخيام غير قادرة على الصمود أمام الرياح والأمطار خلال فصل الشتاء، ما قد يتركها أمام احتمال فقدان المأوى مرة أخرى.
وتقول النازحة: "أكثر ما نخاف منه أن تأتي الرياح والأمطار بقوة، فالخيمة لن تصمد طويلًا، وإذا تمزقت سنبقى بلا مأوى".
بيوت من الطين.. مأوى لا يطمئن أصحابه
وفي مناطق أخرى، لجأت عائلات إلى بناء مساكن بسيطة من الطين والمواد المتاحة، في محاولة لتأمين مكان يأويها بعد تضرر منازلها أو فقدانها خلال الحرب.
لكن هذه المساكن لا توفر لأصحابها شعورًا كافيًا بالأمان، خصوصًا مع اقتراب موسم الأمطار، إذ تخشى العائلات من عدم قدرة الجدران والأسقف على تحمل كميات كبيرة من المياه، فضلًا عن ارتفاع تكاليف أي أعمال ترميم أو تدعيم.
يقول قصي سمعان إن المنزل الذي يعيش فيه مع أسرته يفتقر إلى أجزاء أساسية من الجدران، ما دفعهم إلى استخدام الطين والمواد المتاحة لبناء مأوى بديل، إلا أن تكلفة هذه الأعمال تبقى مرتفعة بالنسبة لعائلة تعيش في ظروف اقتصادية صعبة.
ويضيف لـ"مصدر الإخبارية" أن أبسط أعمال الترميم أو التدعيم قد تصل تكلفتها إلى نحو 3 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر التي تكافح أصلًا لتوفير احتياجاتها اليومية.
ويقول: "نخشى أن لا تصمد هذه الجدران أمام الأمطار، ولا نملك القدرة على ترميم البيت بالشكل الذي يجعله آمنًا، فحتى أبسط الترميمات تحتاج إلى مبالغ كبيرة".
شتاء جديد.. واحتياجات تتجاوز المأوى
ولا تقتصر استعدادات الأسر لموسم الشتاء على حماية الخيام والمنازل من مياه الأمطار، إذ تحتاج العائلات كذلك إلى الأغطية والملابس الشتوية ومواد العزل والنايلون وغيرها من المستلزمات التي بات الحصول عليها يشكل عبئًا إضافيًا.
وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للعائلات التي أمضت سنوات في النزوح، بعدما استهلكت الخيام بفعل طول الاستخدام، فيما لم تعد الموارد المتاحة لديها تسمح باستبدالها أو إجراء إصلاحات كافية عليها.
وفي الوقت الذي تستعد فيه هذه الأسر لمواجهة موسم الأمطار، يبقى هاجسها الأساسي تأمين مأوى قادر على الصمود أمام الرياح والمياه، في ظل محدودية الخيارات وارتفاع تكاليف الترميم ومواد الإيواء.
الاستعداد المبكر للشتاء ضرورة
من جانبه، يحذر حسني مهنا المتحدث باسم بلدية غزة، من خطورة دخول موسم الشتاء دون معالجة أوضاع الخيام والمساكن المتضررة، مشيرًا إلى أن طول فترة استخدامها يجعل كثيرًا منها أكثر عرضة لتسرب مياه الأمطار والتضرر بفعل الرياح.
ويقول لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن الاستعداد لموسم الشتاء يحتاج إلى توفير خيام أكثر ملاءمة، ومواد عزل ونايلون، وأغطية وملابس شتوية، إلى جانب إجراء أعمال ترميم وتدعيم للمباني المتضررة، خاصة تلك التي تظهر فيها تشققات أو أضرار في الأسقف والجدران.
ويضيف أن بعض المناطق والمساكن قد تصبح أكثر عرضة للمخاطر مع اشتداد الأمطار والرياح، ما يستدعي فحص الأبنية المتضررة وتأمين أماكن إيواء بديلة للأسر التي لا تصلح مساكنها للسكن خلال فصل الشتاء.
ولاتقتصر الاستعدادات على المباني، حيث أكد حسني أن بلدية غزة بدأت أيضًا أعمالًا ميدانية استعدادًا لموسم الأمطار، شملت تسوية شوارع متضررة وتنظيف وتأهيل أجزاء من شبكة الصرف الصحي، في محاولة للحد من تداعيات الأمطار والسيول خلال الشتاء.
وشدد على أن تأخر الاستعدادات قد يزيد من معاناة الأسر، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف مواد الترميم ومحدودية قدرة العائلات على توفيرها، داعيًا إلى تكثيف الاستعدادات قبل بدء موجات الأمطار.
تحذيرات من المباني المتضررة
وتأتي مخاوف العائلات مع تصاعد التحذيرات من مخاطر المباني المتضررة والآيلة للسقوط، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء وما قد يصاحبه من أمطار ورياح تزيد من هشاشة المنشآت المتضررة.
وكان انهيار "عمارة السعادة" في مدينة غزة، منتصف سبتمبر/أيلول الجاري، قد أعاد تسليط الضوء على خطورة الإقامة داخل المباني المتصدعة.
وأسفر انهيار المبنى المكوّن من ستة طوابق، والذي كان يؤوي أكثر من 100 شخص، عن وفاة 21 شخصًا، بينهم 12 طفلًا، وإصابة 45 آخرين، وفق وزارة الداخلية والدفاع المدني في غزة.
وحذّر الدفاع المدني في أعقاب الحادثة من مخاطر انهيارات جديدة مع اقتراب فصل الشتاء، داعيًا إلى التعامل مع المباني المتضررة بحذر وتوفير المعدات اللازمة للتعامل مع أي حوادث انهيار محتملة.
وتشير تقديرات نقلتها وزارة التنمية الاجتماعية عن الدفاع المدني إلى وجود نحو ألفي مبنى ووحدة سكنية مهددة بالسقوط في قطاع غزة، يقيم فيها قرابة 40 ألف شخص، وسط تحذيرات من أن الأمطار والرياح قد تزيد من مخاطر انهيارها.
وبين خيام أنهكها النزوح، ومساكن متضررة تخشى العائلات من عدم صمودها أمام الأمطار، لا يبدو الشتاء بالنسبة لكثير من سكان غزة فصلًا عابرًا، بل اختبارًا جديدًا لقدرة المأوى على توفير الحد الأدنى من الحماية.
ومع التحذيرات المتصاعدة من مخاطر المباني المتضررة، تبقى العائلات أمام معادلة صعبة: مأوى مؤقت لا يحميها من المطر والرياح، أو مبانٍ متصدعة تخشى من مخاطر الإقامة فيها، بينما تحول محدودية الموارد وغياب البدائل دون الانتقال إلى أماكن أكثر أمانًا.







