سماح شاهين- مصدر الإخبارية
"أنا سامعك يا عمو بس محشور بين السقفين ومش قادر لا أتحرك"، خرج صوت الطفل خافتًا من بين طبقات الركام المتراكمة، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليصل إلى عنصر الدفاع المدني الذي كان يحاول الوصول إليه عبر فتحة ضيقة بين الأنقاض.
لم يكن الطفل يرى من حوله، ولم يكن يعرف كم بقي من الوقت قبل أن يطبق عليه الركام بالكامل، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا أنه محاصر، وأن الخوف يزداد مع كل لحظة تمر.
من بين الظلمة وتحت أسقف العمارة المنهارة، حاول عنصر الدفاع المدني طمأنته والتواصل معه، بينما كان الطفل يبحث بصوته عن أي إنسان في الخارج يشعر بوجوده ويسمعه، لم يكن بينهما سوى جدران وأجزاء متساقطة من المبنى، ومع ذلك ظل صوت الطفل خيط التواصل الوحيد بين حياة عالقة في الداخل ومحاولات إنقاذ تتقدم بصعوبة من الخارج.
"أنا بموت من الخوف وفش أكسجين خلص"، قالها الطفل بصوت بدا مثقلًا بالرعب والاختناق، وكأن الكلمات نفسها أصبحت تحتاج منه إلى جهد حتى تخرج في الخارج، كان المنقذون يحاولون الوصول إليه، لكن الركام المتداخل وأسقف المبنى المنهارة جعلت مهمة الإنقاذ شديدة التعقيد، فيما كان الوقت يمر سريعًا في مكان لا يملك فيه الطفل سوى أن ينتظر.
كان الطفل محاصرًا في مساحة ضيقة بين أسقف العمارة وأجزاء الركام، لا تكاد تسمح له بالحركة، فيما كانت أصوات الإنقاذ تأتيه من بعيد، وفي تلك المساحة المظلمة، لم يكن يملك سوى صوته ليقول إنه ما زال هناك، وأن هناك حياة تختبئ تحت الأنقاض وتنتظر يدًا تمتد إليها.
ظل الحوار بين الطفل والمنقذ مستمرًا وسط حالة من التوتر الشديد، بينما كانت أصوات الطرق والاستغاثة تتردد في المكان ثم بدأت تلك الأصوات تخفت شيئًا فشيئًا، قبل أن يسود الصمت المكان، صمت ثقيل لم يعد يحمل معه سوى وقع الركام ومحاولات المنقذين اليائسة للوصول إلى من بقي تحت الأنقاض.
لم يكن ذلك الصمت مجرد هدوء عابر في موقع الانهيار بالنسبة إلى الموجودين في المكان، كان يحمل معنى أشد قسوة فقبل لحظات فقط، كان هناك طفل يتحدث من تحت الركام، يطلب النجدة ويعبّر عن خوفه، ثم غاب صوته، وبقي المنقذون أمام كتل الركام وأجزاء الأسقف المنهارة التي تفصلهم عن حياة لم يتمكنوا من الوصول إليها في الوقت المناسب.
كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات قسوة التي عاشتها طواقم الإنقاذ والمواطنون في محيط "عمارة السعادة"، بعدما انهارت البناية في منطقة الصناعة جنوب غرب مدينة غزة، لتسقط طوابقها فوق عائلات نازحة كانت تبحث داخلها عن مأوى يحميها من الشارع والخيام والبرد، فإذا بالمكان الذي احتمت به يتحول في لحظات إلى ركام يطبق على من بداخله.
العمارة، التي كانت قد تعرضت لأضرار جراء قصف سابق خلال الحرب، بقيت قائمة رغم إصابتها، وتحولت مع استمرار النزوح وانعدام أماكن الإيواء الآمنة إلى ملاذ لعائلات لم يكن أمامها الكثير من الخيارات ومع غياب البدائل، اضطرت عائلات نازحة إلى الإقامة داخل مبانٍ متضررة، بعضها يحمل آثار القصف والتصدعات، لكنها بالنسبة إلى كثيرين كانت أفضل من البقاء في العراء.
لكن فجر الأربعاء، انهارت "عمارة السعادة" بالكامل بشكل مفاجئ تنهار معها أسقف وجدران فوق رؤوس من احتموا بها وفي لحظات، تحول المبنى إلى كتلة هائلة من الركام، فيما وجد عشرات الأشخاص أنفسهم عالقين تحت أسقف وأجزاء المبنى المنهارة.
على أطراف البناية المنكوبة، لم يكن المشهد يشبه عمليات الإنقاذ المعتادة كان الركام هائلًا، والممرات المؤدية إلى العالقين ضيقة وخطرة، والمعدات الثقيلة المطلوبة لرفع أجزاء الأسقف المنهارة غير متوفرة بالشكل الكافي. وبينما كان عناصر الدفاع المدني يحاولون فتح ممرات داخل الأنقاض، كان المواطنون يقتربون من المكان، ينادون أسماء أقاربهم وأحبائهم، ويصغون بكل ما لديهم من تركيز إلى أي صوت قد يأتي من أسفل الركام.
كان كل صوت تحت الأنقاض يحمل احتمالًا، ربما شخص يطلب الماء، أو طفل ينادي والده، أو مصاب يحاول الطرق على قطعة من المبنى كي يعرف الموجودون في الخارج أنه لا يزال حيًا لذلك بقيت آذان الموجودين معلقة بالمكان، ينتظرون أي طرقة أو استغاثة، بينما كانت الدقائق تمر ثقيلة على عائلات لا تعرف إن كان أحباؤها ما زالوا على قيد الحياة.
وتحت أنقاض "عمارة السعادة"، لم تكن أسقف المبنى وحدها التي انهارت انهار معها المكان الذي ظنت عائلات نازحة أنها يمكن أن تحتمي فيه وبينما كان المنقذون يحاولون شق طريقهم عبر الركام، بقيت أصوات الذين كانوا هناك قبل ساعات حاضرة في المكان، وفي مقدمتها صوت طفل قال من قلب الظلام: "أنا سامعك يا عمو بس محشور بين السقفين ومش قادر لا أتحرك".
صوت صغير خرج من بين الركام، يبحث عن يد تمتد إليه، قبل أن يبتلع الصمت كلماته ويترك خلفه مكانًا مثقلًا بالفقد، وأسئلة مفتوحة عن مصير من لا يزالون عالقين تحت أسقف الأبنية المتضررة في غزة.






