وكالات - توصل فريق دولي من علماء الفلك إلى أن الحلقتين المحيطتين بالجرم الصغير «شاريكلو» تتغيران بمرور الوقت بصورة متعاكسة، في اكتشاف قد يتحدى الاعتقاد السائد بأن أنظمة الحلقات المحيطة بالأجرام الصغيرة في النظام الشمسي مستقرة نسبياً.
وقال باحثون بقيادة معهد الفيزياء الفلكية في الأندلس التابع للمجلس الوطني للبحوث في إسبانيا، إن الحلقة الداخلية حول «شاريكلو» أصبحت أكثر عتامة بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، بينما انخفضت عتامة الحلقة الخارجية.
ويُعرف «شاريكلو» فلكياً باسم 10199 Chariklo، وهو أكبر جرم معروف ضمن عائلة القناطير (Centaurs) في النظام الشمسي. ويدور هذا الجرم البعيد في المنطقة الواقعة بين زحل وأورانوس، على مسافة تعادل نحو 17 ضعف المسافة بين الأرض والشمس.
ويبلغ قطر «شاريكلو» نحو 250 كيلومتراً، ويجمع في خصائصه بين سمات الأجرام الصخرية والمذنبات الجليدية، ما يجعله من الأجسام الفلكية التي تحظى باهتمام خاص لدى علماء النظام الشمسي.
تغيرات متعاكسة في الحلقتين
اعتمدت الدراسة، التي نشرتها دورية Science Advances، على رصد أجراه تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي في 18 أكتوبر 2022، باستخدام تقنية تعرف باسم «الاحتجاب النجمي».
وتقوم هذه التقنية على قياس الانخفاض المؤقت في ضوء نجم بعيد عندما يمر جرم سماوي أو إحدى حلقاته أمامه، ما يسمح للعلماء باستنتاج خصائص الجرم أو الحلقات من التغيرات الدقيقة في شدة الضوء.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بابلو سانتوس-سانز، من معهد الفيزياء الفلكية في الأندلس، إن مقارنة بيانات «جيمس ويب» بعمليات احتجاب أخرى جرى تسجيلها خلال العقد الماضي كشفت تغيرات متعاكسة في الحلقتين.
وأوضح أن الحلقة الداخلية أظهرت زيادة ملحوظة في العتامة، في حين سجلت الحلقة الخارجية انخفاضاً فيها.
وتشير العتامة إلى مقدار الضوء الذي تحجبه المواد الموجودة داخل الحلقة، ولذلك يمكن أن تعكس التغيرات فيها اختلافات في كمية الجسيمات المكونة للحلقة أو توزيعها.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن نظام حلقات «شاريكلو» أكثر ديناميكية مما كان يعتقد سابقاً، وربما يخضع لعمليات فيزيائية معقدة تؤدي إلى تغير بنيته خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً، قد لا تتجاوز بضع سنوات.
ومع ذلك، لم يحسم العلماء بعد السبب الدقيق لهذه التغيرات، مشيرين إلى احتمال أن تكون ناجمة عن تطور حقيقي في الحلقات بمرور الزمن، أو أن يكون جزء منها مرتبطاً باستخدام مرشحات رصد مختلفة، أو نتيجة تداخل العاملين معاً.
اكتشاف حلقات الأجرام الصغيرة
قبل عام 2013، كان العلماء يعتقدون أن الحلقات تقتصر بصورة أساسية على الكواكب العملاقة، مثل المشتري وزحل وأورانوس ونبتون.
لكن اكتشاف حلقتين كثيفتين حول «شاريكلو» في ذلك العام أثبت أن الأجرام الأصغر بكثير يمكن أن تمتلك أنظمة حلقية، وفتح الباب أمام دراسة آليات تشكل هذه الحلقات واستقرارها وتطورها.
وتكتسب النتائج الجديدة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن هذه الأنظمة قد لا تكون ثابتة كما كان يُعتقد، وأن بنيتها يمكن أن تتغير على فترات زمنية قصيرة نسبياً.
رصد فلكي بالغ الدقة
شكلت عملية احتجاب «شاريكلو» أيضاً إنجازاً تقنياً، إذ كانت أول عملية احتجاب نجمي جرى التنبؤ بها والتخطيط لها خصيصاً لرصدها بواسطة تلسكوب «جيمس ويب»، ونجح التلسكوب في تسجيلها.
وتطلب تنفيذ الرصد تحديد مدار «شاريكلو» وموقع النجم الذي سيمر أمامه بدقة شديدة، إلى جانب تحديد موقع «جيمس ويب» نفسه، بالاستعانة ببيانات مهمة «جايا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية.
ويعمل «جيمس ويب» بالقرب من نقطة لاجرانج الثانية «L2»، الواقعة على مسافة نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض في الاتجاه البعيد عن الشمس، ويتحرك في مدار حولها يحتاج إلى تعديلات دورية.
وقال الباحث المشارك في الدراسة يوسيل كيليتش إن نجاح الرصد تطلب معرفة دقيقة للغاية بمسارات الأجرام الثلاثة في الوقت نفسه.
وخلال عملية الاحتجاب، كان «شاريكلو» يتحرك بالنسبة إلى «جيمس ويب» بسرعة تبلغ نحو 2.5 كيلومتر في الثانية، وهي سرعة منخفضة نسبياً أتاحت للعلماء الحصول على دقة مكانية عالية لدراسة حلقاته.
ولا يمكن تصوير الحلقتين مباشرة حتى باستخدام «جيمس ويب» أو أكبر التلسكوبات الأرضية، بسبب ضيقهما الشديد وبعد «شاريكلو» عن الأرض. لكن خلال الاحتجاب، تمر كل حلقة أمام النجم لفترة قصيرة للغاية، فتسبب انخفاضاً في شدة ضوئه يمكن قياسه وتحليله لاستنتاج خصائص الحلقة.
وقال سانتوس-سانز إن النتائج تدفع العلماء إلى إعادة التفكير في كيفية تشكل حلقات «شاريكلو» وتطورها والآليات التي تحافظ على استقرارها.
ويرى الباحثون أن القدرة على رصد تغيرات من هذا النوع قد تفتح نافذة جديدة لفهم تطور حلقات الأجرام الصغيرة، كما يمكن أن تساعد مستقبلاً في تفسير كيفية تشكل وتغير أنظمة الحلقات الأخرى داخل النظام الشمسي.







