غزة- أثار فيلم وثائقي إسرائيلي يوثق استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة للذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف للقصف في قطاع غزة، ردود فعل واسعة خلال عرضه الأول ضمن فعاليات مهرجان البندقية السينمائي.
ويحمل الفيلم اسم "نازا" (NAZA)، وهو من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، ويستند إلى تحقيق استمر نحو ثلاثة أعوام، وإلى شهادات 24 شخصًا خدموا في أجهزة عسكرية واستخبارية إسرائيلية، تحدثوا إلى صانعي الفيلم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم.
ويقدم الفيلم روايات من داخل منظومة الاستهداف الإسرائيلية، تتناول آليات اختيار الفلسطينيين الذين يجري تصنيفهم كأهداف للاغتيال، وحجم الخسائر المدنية التي كان يُسمح بها خلال تنفيذ الضربات، إلى جانب دور أنظمة المراقبة الواسعة للاتصالات والبيانات في قطاع غزة.
وقال المخرج يوفال أبراهام إن فريق العمل تعمد منح الجنود والضباط الذين شاركوا في العمليات مساحة للحديث بأنفسهم عن أدوارهم، بهدف إظهار الطريقة التي عملت بها منظومة الاستهداف والقتل في قطاع غزة.
ويشير الفيلم إلى أن اسم "نازا" يُستخدم، بحسب ما ورد فيه، كمصطلح استخباري إسرائيلي للدلالة على عدد المدنيين الذين يُتوقع سقوطهم في غارة جوية.
وتكشف الشهادات الواردة في الفيلم عن منظومة تعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، قبل تحويل نتائج التحليل إلى أهداف عسكرية يمكن استهدافها، بما في ذلك داخل مناطق مدنية مكتظة بالسكان.
ويركز الفيلم، الذي تبلغ مدته 80 دقيقة، على منظومة "لافندر"، التي يقول المشاركون في التحقيق إنها استُخدمت لتصنيف أشخاص في غزة كأهداف محتملة للاغتيال، اعتمادًا على بيانات جُمعت من عمليات واسعة لمراقبة الاتصالات والحركة والعلاقات الشخصية.
ووصف أحد المشاركين طريقة عمل المنظومة بأنها تشبه "مصنعًا" يعمل على نطاق واسع، فيما شبّه آخر العمليات التي كانت تُنفذ عن بُعد بلعبة فيديو.
ويتضمن الفيلم شهادة لأحد المشاركين وصف فيها طبيعة العمل بأنها كانت ممتعة بصورة اعتبرها غير معقولة، في تعبير يعكس، بحسب الفيلم، مستوى الانفصال عن آثار العمليات على الضحايا.
وبحسب الشهادات، اعتمدت أنظمة الاستهداف على بيانات جرى الحصول عليها من آلاف الهواتف التي خضعت للمراقبة والاختراق.
وأفاد ضباط استخبارات بأن مؤشرات بسيطة واردة في بيانات الهواتف، من بينها عبارات تظهر على هاتف طفل وتشير إلى وجود أحد أفراد عائلته في المنزل، كان يمكن أن تصبح جزءًا من سلسلة المعلومات التي تقود إلى تنفيذ غارة جوية.
وقال أبراهام إن الفيلم يكشف، وفق ما توصل إليه التحقيق، عن منظومة صُممت لاستهداف أشخاص داخل مناطق مدنية وبين أفراد عائلاتهم، مشيرًا إلى أن هامش الخسائر المدنية المقبول في بعض الحالات كان يمكن أن يصل إلى أعداد كبيرة، بما قد يؤدي إلى تدمير أحياء أو مناطق سكنية بأكملها.
ويتناول الفيلم كذلك شهادات بشأن استهداف وتدمير منازل مدنية، وما يصفه المشاركون بتجاهل قواعد القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى انتشار مشاعر العداء والكراهية تجاه الفلسطينيين داخل بعض الوحدات المشاركة في الحرب.
ويتطرق إلى شهادات عن مقتل فلسطينيين في مناطق صنفها الجيش الإسرائيلي مناطق محظورة، دون إبلاغ السكان بحدودها بصورة واضحة، بما في ذلك مناطق قريبة من نقاط توزيع المساعدات.
ونقل الفيلم عن أحد الضباط قوله إن السكان كانوا يعرفون أحيانًا المناطق المحظورة بعد سقوط قتلى فيها.
وكانت الأمم المتحدة قد أفادت بمقتل أكثر من 400 فلسطيني أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات خلال العام الماضي، فيما أقرت إسرائيل بوقوع قتلى مدنيين قرب مواقع توزيع المساعدات، وقالت إنها أجرت تعديلات على قواعد الاشتباك.
ويأتي عرض الفيلم في ظل حصيلة بشرية واسعة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى مقتل نحو 73,500 فلسطيني وإصابة قرابة 174,500 آخرين، وهي أرقام قالت الأمم المتحدة إنها تعتبرها موثوقة.
واندلعت الحرب عقب هجوم قادته حركة حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفر، وفق حصيلة أعدتها وكالة "فرانس برس" استنادًا إلى أرقام إسرائيلية رسمية، عن مقتل 1,219 شخصًا.
وتقول إسرائيل إنها لا تتعمد استهداف المدنيين في قطاع غزة، وتتهم حركة حماس بالعمل من داخل المناطق السكنية المكتظة.
إلا أن الشهادات التي يجمعها فيلم "نازا" تطرح روايات من داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية نفسها بشأن آليات تحديد الأهداف في المناطق المدنية، وحجم الاعتماد على الأتمتة والبيانات في عمليات الاستهداف.
وحظي الفيلم باستقبال لافت خلال عرضه في مهرجان البندقية، حيث أثار ردود فعل قوية بين الجمهور والنقاد. ووصفت مجلة "سكرين" العمل بأنه فيلم عاجل وصادم، بينما أشارت "هوليوود ريبورتر" إلى مشاعر الغضب والسخط والاشمئزاز التي أثارها الفيلم بشأن السياسات الإسرائيلية.
ورغم أن مدة التصفيق خلال المهرجانات لا تمثل معيارًا دقيقًا للحكم على القيمة الفنية للأعمال، فإن الاستقبال الذي حظي به الفيلم تجاوز مدة التصفيق التي حصل عليها فيلم "صوت هند رجب" خلال الدورة السابقة من المهرجان، وهو عمل يتناول قصة استشهاد الطفلة الفلسطينية هند رجب بنيران القوات الإسرائيلية.
وسبق للمخرجين أبراهام وزور أن فازا بجائزة الأوسكار عام 2025 عن فيلم "لا أرض أخرى"، إلى جانب المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، وهو فيلم وثق اعتداءات المستوطنين وعمليات تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.







