لندن - قال رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام إن بلاده تواجه خطر فقدان ثقتها بقدرتها على القيادة والدفاع عن قيمها في عالم وصفه بالصعب والخطير، مؤكدًا أن بريطانيا مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالتمسك بمبادئها وتعزيز دورها في القضايا الدولية.
وفي مقال نشرته صحيفة الغارديان، أكد بورنهام أن بريطانيا دعت على مدى سنوات إلى حل الدولتين في الشرق الأوسط، لكنه شدد على أن الحديث عن هذا الحل يفقد معناه ما لم تقترن المواقف السياسية بخطوات عملية.
وقال إن حكومته ترددت طويلًا في اتخاذ إجراءات خشية اتهامها بمعاداة إسرائيل، لكنها قررت الآن اتخاذ خطوات قال إنها مدروسة بعناية وموجهة بدقة، ولا تستهدف الشعب الإسرائيلي، وإنما تستهدف سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية التي وصفها بأنها غير مقبولة.
بورنهام: معاناة الفلسطينيين وصمة عار
ووصف بورنهام معاناة الشعب الفلسطيني بأنها «وصمة عار في ضمير العالم»، مشيرًا إلى استمرار سقوط الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، في قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار الأزمة الإنسانية ووصول كميات محدودة للغاية من المساعدات.
وقال إن حجم الدمار في القطاع يصعب استيعابه، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 70 ألف شخص، بينهم ما لا يقل عن 20 ألف طفل، بحسب الأرقام التي استند إليها في مقاله، فضلًا عن تمزق العائلات والمجتمعات ونزوح الملايين.
وأضاف أن سكان غزة باتوا محصورين في نحو ثلث مساحة القطاع، في ظل استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة.
وأكد بورنهام أن القضية الفلسطينية تحظى باهتمام واسع داخل المملكة المتحدة، مضيفًا: «أعلم أن الناس في جميع أنحاء المملكة المتحدة يشعرون بعمق شديد تجاه هذه القضية - وأنا كذلك».
تعهد بتغيير النهج البريطاني
وأشار رئيس الوزراء البريطاني إلى أنه كان قد انتقد، قبل توليه منصبه، بطء استجابة بلاده للأوضاع في المنطقة وعدم كفايتها، مؤكدًا أن هذا كان من الأسباب التي دفعته إلى التعهد بتغيير نهج الحكومة.
وقال إنه لن يقف مكتوف الأيدي بينما تتفاقم المعاناة الإنسانية، أو بينما يتعرض احتمال إقامة دولة فلسطينية إلى مزيد من الضغوط، معتبرًا أن حل الدولتين يمثل «أفضل أمل للسلام والاستقرار في المنطقة».
وأضاف أن التوسع الاستيطاني يمثل أحد أبرز التهديدات لهذا المسار، مشيرًا إلى أن عدد المستوطنات التي وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأربع الماضية يفوق، وفق ما أورده، عدد المستوطنات التي تمت الموافقة عليها خلال العقدين السابقين.
انتقادات للاستيطان في الضفة الغربية
وقال بورنهام إن الأمم المتحدة أفادت بوقوع أكثر من 1500 حادثة عنف من جانب المستوطنين خلال العام، بهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، معتبرًا أن الوضع يتدهور بسرعة.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية وافقت، وفق الأرقام التي أوردها، على بناء 104 مستوطنات جديدة منذ توليها السلطة في ديسمبر/كانون الأول 2022.
كما أشار إلى السماح بطرح مناقصات لبناء مستوطنة E1 الضخمة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، معتبرًا أن المشروع من شأنه شق طريق عبر قلب الضفة الغربية والقضاء، بحسب وصفه، على أي أمل في تحقيق حل الدولتين.
وقال بورنهام: «لا يمكن السماح بحدوث ذلك».
ثلاث خطوات بريطانية ضد المستوطنات
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني عن حزمة جديدة من الإجراءات قال إنها تهدف إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتغيير مسارها.
وتتمثل الخطوة الأولى في حظر التجارة في البضائع مع المستوطنات التي تصفها الحكومة البريطانية بأنها غير قانونية في الأراضي الفلسطينية.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في تغيير الموقف الرسمي للحكومة البريطانية، بحيث تعلن للمرة الأولى أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، بشكل مستقل عن استنتاج محكمة العدل الدولية، وإن كان متوافقًا معه، بحسب بورنهام.
وتشمل الخطوة الثالثة فرض عقوبات على الأفراد والشركات التي تدعم المستوطنات أو تسهل أنشطتها أو تستفيد منها، بما في ذلك الشركات والمستثمرون المشاركون في بناء مستوطنة E1.
مساعدات إنسانية جديدة إلى غزة
وبالتوازي مع الإجراءات السياسية والاقتصادية، أعلن بورنهام عن حزمة جديدة من المساعدات الإنسانية التي قال إنها تشتد الحاجة إليها في قطاع غزة.
وأوضح أن الإجراءات البريطانية تستهدف المستوطنات والسياسات المرتبطة بها، ولا تمثل عقوبات شاملة على إسرائيل، معتبرًا أن فرض مثل هذه العقوبات على إسرائيل ككل من شأنه الإضرار بالشعب الإسرائيلي، الذي قال إن كثيرًا من أفراده يختلفون مع مواقف حكومتهم.
وأكد أن الخطوات الجديدة اتُخذت، بحسب تعبيره، «لأنها الشيء الصحيح الذي يجب فعله».
بورنهام: أدين هجوم 7 أكتوبر وما زلت أدين حماس
وفي الوقت نفسه، شدد بورنهام على أنه أدان «الهجوم الإرهابي الشنيع» الذي وقع في إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأشد العبارات، مؤكدًا أنه لا يزال يدين حركة حماس.
لكنه قال إن هجوم 7 أكتوبر لا يبرر، من وجهة نظره، الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
وأوضح أن الهدف من الإجراءات البريطانية الجديدة هو استهداف المستوطنات وزيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتغيير مسارها، مؤكدًا أن حكومته لا تفرض عقوبات على إسرائيل ككل.
تحذير من تحميل الجالية اليهودية مسؤولية الحكومة الإسرائيلية
وشدد رئيس الوزراء البريطاني على الفصل بين الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي والجالية اليهودية في المملكة المتحدة، قائلًا إن الشعب الإسرائيلي لا يتحمل مسؤولية أفعال حكومته، وكذلك الجالية اليهودية البريطانية.
وأكد أن تحميل اليهود البريطانيين مسؤولية سياسات حكومة بنيامين نتنياهو «أمر خاطئ بكل بساطة، وهو معاداة للسامية بكل وضوح».
وأشار إلى أنه التقى ممثلي الجالية اليهودية في الأسبوع السابق، مؤكدًا إدراكه لحالة الخوف التي يعيشها أفرادها، وتعهد بأن تواصل الحكومة البريطانية بذل كل ما في وسعها لضمان سلامتهم ومواجهة معاداة السامية في المجتمع البريطاني.
لندن: حماية حل الدولتين
واختتم بورنهام بالتأكيد على أن الإجراءات التي أعلنتها حكومته تستهدف، بحسب رؤيته، حماية حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد الذي يمكن أن يتيح للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني العيش جنبًا إلى جنب في سلام وأمان.
وقال إن هذا الهدف يحظى بتأييد واسع داخل المملكة المتحدة، مؤكدًا أن حكومته ستواصل العمل مع شركائها حول العالم للحفاظ على إمكانية تحقيق هذا المسار.
وتضع الخطوات البريطانية الجديدة حكومة لندن أمام اختبار سياسي حساس، في ظل محاولتها الموازنة بين إدانة هجوم 7 أكتوبر والتأكيد على أمن إسرائيل من جهة، والضغط على الحكومة الإسرائيلية بشأن الاستيطان والأوضاع في الأراضي الفلسطينية من جهة أخرى، مع التشديد على أن الهدف النهائي هو الحفاظ على فرص حل الدولتين.







