القدس - لم تعد خريطة الطرق التقليدية كافية أمام الفلسطينيين الذين يحاولون التنقل بين مدن وقرى الضفة الغربية، في ظل شبكة واسعة من الحواجز العسكرية والبوابات وإغلاقات الطرق التي تتغير بصورة مستمرة.
ومع صعوبة التنبؤ بحالة الطرق، نشأت منظومة بديلة تعتمد على ما يمكن وصفه بـ«حكمة الجمهور»، حيث يتبادل السائقون والمسافرون وطواقم الإسعاف المعلومات الميدانية عبر الإذاعات ومجموعات «واتساب» و«تلغرام»، لتحديد الطرق المفتوحة والمغلقة والعوائق المستحدثة.
وتبرز إذاعة «بسمة»، التي تتخذ من مدينة روابي مقراً لها، كإحدى أبرز الجهات التي تجمع هذه المعلومات وتتحقق منها قبل بثها للجمهور.
إذاعة بدأت للموسيقى وتحولت إلى غرفة متابعة للطرق
بدأت إذاعة «بسمة» بثها قبل أيام قليلة من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكانت تستهدف الشباب من خلال برامج تتناول الموسيقى والفن والحياة اليومية، إلى جانب فقرة اعتيادية لتحديثات حركة المرور.
لكن الأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر غيّرت طبيعة عمل المحطة بصورة سريعة. ومع انتشار الحواجز وإغلاق الطرق والبوابات في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، تحولت متابعة حركة المرور من فقرة إذاعية عادية إلى مهمة يومية ذات أهمية مباشرة لحياة آلاف المسافرين.
وتقول فاطمة برقاوي، مديرة الأخبار في الإذاعة، إن المحطة كانت تتطلع في البداية إلى تقديم محتوى يساعد الفلسطينيين على عيش حياة طبيعية، لكن التطورات الميدانية فرضت عليها تغيير أولوياتها.
وبمرور الوقت، أنشأت الإذاعة شبكة واسعة من المراسلين والمصادر غير الرسمية في مختلف مناطق الضفة، وأصبح سائقو سيارات الأجرة والمواصلات العامة أحد أهم مصادر المعلومات، بحكم تنقلهم المستمر بين المدن والقرى.
925 عائقاً أمام حركة المرور
وبحسب البيانات التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ عدد عوائق الحركة في الضفة الغربية نحو 925 عائقاً حتى نهاية عام 2025، وهو رقم يزيد بنحو 43% على المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين.
وتشمل هذه العوائق حواجز وبوابات وإغلاقات وطرقاً يصعب على الفلسطينيين استخدامها بصورة منتظمة، ما يجعل حالة الطريق قابلة للتغير خلال فترة قصيرة.
وتقول برقاوي إن كل تطور ميداني جديد يمكن أن ينعكس على حركة السكان، مشيرة إلى أن إغلاق طريق أو إقامة حاجز جديد قد يفرض على سكان منطقة بأكملها تغيير مساراتهم اليومية.
السائقون يتحولون إلى شبكة إنذار ميدانية
يعتمد نظام الإبلاغ الذي تستخدمه «بسمة» بصورة أساسية على المسافرين الموجودين على الطرق في الوقت الفعلي.
فالسائق الذي يصل إلى حاجز مغلق أو يواجه بوابة أُغلقت بشكل مفاجئ يمكنه إرسال رسالة صوتية أو نصية إلى الإذاعة، لتقوم فرقها بمراجعة المعلومة قبل تعميمها.
وتدير المحطة حالياً 11 مجموعة على «واتساب»، بينما يتابع قناتها على «تلغرام» نحو 14,800 شخص، وفق ما نقلته «هآرتس».
وتضم مجموعات «واتساب» مئات المستخدمين في كل مجموعة، ما يسمح بتبادل المعلومات بسرعة بين مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ولا تقتصر هذه المعلومات على إغلاق الحواجز، بل تشمل أيضاً الطرق البديلة، وظهور حواجز مفاجئة، وأماكن وجود المستوطنين، والطرق التي يُنصح بتجنبها بسبب المخاطر الأمنية أو صعوبة المرور.
رحلة قصيرة قد تتحول إلى ساعة إضافية
يقول سائق سيارة الأجرة محمد عمر، البالغ من العمر 30 عاماً، إن التنقل في الضفة الغربية لم يعد يعتمد على المسافة وحدها، بل على حالة الطريق في لحظة السفر.
وخلال رحلة رافقته فيها «هآرتس» لمسافة 21 كيلومتراً بين رام الله وقرية بيت دقو شمال غربي القدس، كان عمر يتابع قبل مغادرته عدداً من مجموعات التواصل التي تنشر تحديثات حركة المرور.
وفي إحدى الحالات، كان حاجز عناب يفترض أن يبقى مفتوحاً على مدار الساعة، لكنه وجده مغلقاً أثناء عودته من طولكرم، ما دفعه إلى الانتظار نحو 40 دقيقة قبل أن يبلغ الإذاعة بالوضع.
وقد يضطر السائق، في مثل هذه الحالات، إلى تغيير مساره بالكامل. وبدلاً من رحلة تستغرق بضع دقائق، يمكن أن يؤدي الطريق البديل إلى إضافة ساعة كاملة إلى زمن الوصول.
ويختصر عمر واقع التنقل بالقول إن المسافرين لم يعودوا يحسبون الرحلات بالكيلومترات، وإنما وفقاً لحالة الطرق والحواجز.
معلومات تتغير خلال دقائق
ورغم أهمية شبكة المعلومات، فإنها تواجه مشكلة أساسية تتمثل في سرعة تغير الوضع الميداني.
فالمعلومة التي تكون صحيحة في لحظة معينة قد تصبح غير صالحة بعد دقائق، خصوصاً إذا كان الحاجز مفتوحاً عند مرور أحد السائقين ثم أُغلق بعد ذلك بفترة قصيرة.
ولهذا تحاول الإذاعة التحقق من البلاغات قبل نشرها. ويطلب العاملون من الشخص الذي يرسل المعلومة تأكيد وجوده في الموقع في الوقت نفسه، كما يطلبون، عندما يكون ذلك متاحاً، إرسال صورة أو تسجيل فيديو.
وتوضح إسراء عرابي، التي تعمل في الإذاعة منذ سنوات، أن فريق المحطة يتابع الرسائل الصوتية الواردة من السائقين، ويفرغها ويحولها إلى معلومات قابلة للاستخدام من جانب الجمهور.
وتقول إن الثقة بين المحطة ومستخدميها أصبحت جزءاً أساسياً من هذه المنظومة، خصوصاً أن قراراً بسيطاً يتعلق بسلوك طريق معين قد يؤثر في رحلة طالب أو عامل أو عائلة أو طاقم إسعاف.
شبكة يعتمد عليها العمال والطلاب والإسعاف
لم تعد تحديثات الطرق مخصصة لسائقي سيارات الأجرة فقط، بل أصبحت مصدراً للمعلومات لشرائح واسعة من السكان.
فالعمال يحتاجون إلى معرفة الطرق التي يمكن من خلالها الوصول إلى أماكن عملهم، والطلاب يعتمدون عليها في رحلاتهم إلى الجامعات، فيما تحتاج العائلات إلى متابعة الوضع قبل الانتقال بين المدن والقرى.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية أكبر بالنسبة إلى سيارات الإسعاف والطواقم الطبية، التي قد تواجه تأخيراً كبيراً إذا سلكت طريقاً أُغلق بشكل مفاجئ أو ظهرت عليه عوائق جديدة.
«حكمة الجمهور» بديل عن الطرق الثابتة
مع استمرار تغير شبكة الحواجز والإغلاقات، تحولت مجموعات التواصل والإذاعات المحلية إلى نوع من الخرائط الحية التي تُحدّثها شهادات المسافرين لحظة بلحظة.
وبدلاً من الاعتماد على خريطة ثابتة، أصبح الفلسطينيون يعتمدون على سلسلة من البلاغات الميدانية لتحديد الطريق الأكثر قابلية للمرور في كل لحظة.
وتحاول إذاعة «بسمة» تطوير هذه الآلية من خلال التحقق من المعلومات قبل بثها، فيما بدأت محطات أخرى في الضفة الغربية تقديم خدمات مشابهة.
وفي ظل واقع يجعل الطريق نفسه قابلاً للتغير خلال دقائق، أصبح التنقل اليومي بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين عملية تتطلب متابعة مستمرة للأخبار والرسائل والتنبيهات، وليس مجرد تحديد نقطة الانطلاق والوصول.
وهكذا، تحولت الإذاعة ومجموعات «واتساب» و«تلغرام» من أدوات للتواصل إلى جزء من البنية اليومية للتنقل في الضفة الغربية، في محاولة للتكيف مع شبكة طرق وحواجز لا تبدو ثابتة على الخريطة بقدر ما تتحدد بما يحدث على الأرض في كل لحظة.







