متابعات - كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك» يعتمدان على مليشيات فلسطينية مسلحة في قطاع غزة، ويوفران لها أشكالاً من الدعم والتنسيق، بهدف تنفيذ عمليات في مناطق لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، بما في ذلك طرد فلسطينيين من منازلهم.
وبحسب التحقيق، الذي استند إلى شهادات جنود إسرائيليين ومصادر من قطاع غزة وصور للأقمار الاصطناعية وتقرير للأمم المتحدة، فإن هذه المليشيات تحولت إلى ما يشبه الذراع التنفيذية للجيش والشاباك في بعض مناطق القطاع، في إطار تعاون يقوم على المصالح المتبادلة، مع استفادة إسرائيل من معارضة هذه المجموعات لحركة حماس.
جنود إسرائيليون يحذرون من ارتكاب مجازر
ونقلت «هآرتس» عن ضابط رفيع في سلاح الجو الإسرائيلي تحذيره من تداعيات تسليح هذه المجموعات والسماح لها بالعمل في قطاع غزة، مشيراً إلى مخاوف داخل الجيش من تكرار أحداث دامية على غرار مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982.
وقال الضابط، الذي لم تكشف الصحيفة عن هويته، إن الجيش الإسرائيلي يجد نفسه في بعض العمليات مكلفاً بتوفير الحماية لعناصر المليشيات التي يصفها بأنها مجموعات مسلحة ومدربة على تنفيذ عمليات في القطاع.
وأوضح الضابط أنه شاهد، خلال مراقبة تحركات إحدى المجموعات بواسطة طائرة مسيرة، عناصر يصلون إلى المنطقة في مركبات شبيهة بتلك التي تستخدمها حركة حماس، قبل أن يطلقوا النار على أشخاص ويدخلوا مباني، ويستولوا على محتوياتها، ثم يحرقوا أحد المنازل.
تنسيق ميداني بين المليشيات والجيش
وأشار التحقيق إلى أن عناصر المليشيات يتمتعون بحرية حركة بالقرب من عدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع، فيما رصد جنود وجودهم في محيط القواعد العسكرية وقيامهم بتصوير تحركاتهم ونشرها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في مسعى دعائي واستقطابي.
وبحسب مصادر في غزة نقلت عنها الصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي يوفر لبعض هذه المجموعات دعماً بالمدفعية، إلى جانب المرافقة بواسطة الطائرات المسيرة خلال تحركاتها في مناطق مختلفة من القطاع.
ولا تقتصر أنشطة هذه المليشيات، وفق التحقيق، على مواجهة عناصر حركة حماس، إذ تتهمها مصادر فلسطينية بالمشاركة في عمليات تستهدف سكاناً يحاولون البقاء في مناطقهم، فيما أظهرت معطيات أممية وجود تنسيق بين مجموعات مسلحة والجيش الإسرائيلي بهدف دفع فلسطينيين إلى مغادرة منازلهم.
عمليات نهب واعتداءات داخل غزة
وتضمن التحقيق شهادات لجنود إسرائيليين قالوا إنهم وجدوا أنفسهم أمام ممارسات عنيفة خلال مرافقتهم أو مراقبتهم لعناصر المليشيات.
وفي إحدى الوقائع، تحدث جندي عن حادثة وقعت على خلفية خلاف داخلي بين أفراد إحدى المجموعات، انتهت بإطلاق النار على أحد عناصرها ومعاقبته ميدانياً، في مشهد قال الجندي إنه ترك الجنود الإسرائيليين في حالة من الصدمة.
كما تحدثت الصحيفة عن عمليات تنفذها هذه المجموعات داخل مناطق يصعب على الجيش الإسرائيلي الوصول إليها، من بينها جمع طائرات مسيرة، حيث تُمنح العناصر تعليمات بإحضار الطائرات وما تحمله من محتويات، سواء كانت أسلحة أو مواد أخرى.
إسرائيل تستخدم المليشيات ضد حماس
ووفق التحقيق، تستند العلاقة بين الجيش الإسرائيلي والمليشيات إلى عداء هذه المجموعات لحركة حماس، مقابل حصولها على أسلحة ومزايا ودعم يسمح لها بتوسيع نفوذها داخل مناطق من القطاع.
ونقلت «هآرتس» عن ضابط في سلاح الجو قوله إن هذه المجموعات تحصل على قدر كبير من القوة والمزايا من إسرائيل، مقابل تعاونها في مواجهة حماس وتنفيذ مهام تخدم الأهداف الإسرائيلية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تحدث في وقت سابق عن أهمية إقامة علاقات مع جهات فلسطينية محلية تعارض حماس، في إطار التصورات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.
مخاوف من انفلات المليشيات
وفي الوقت نفسه، أشار التحقيق إلى أن عدداً من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين ينظرون إلى تسليح هذه المجموعات ومنحها نفوذاً في مناطق من القطاع باعتباره «مغامرة كبيرة»، في ظل صعوبة السيطرة على سلوكها وضمان التزامها بالتعليمات.
وتقر القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بحسب «هآرتس»، بأن هذه المليشيات لا تملك القدرة على أن تكون بديلاً متكاملاً لحماس في إدارة قطاع غزة، وأن الهدف من دعمها يظل، وفق التصور الإسرائيلي، محدوداً ومؤقتاً.
لكن المخاوف التي عبر عنها جنود ومسؤولون إسرائيليون تتركز في احتمال خروج هذه المجموعات عن السيطرة، وتحولها إلى قوة مسلحة مستقلة، بما قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والعنف واستهداف المدنيين.
ويأتي ما كشفه التحقيق في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وسط انتقادات دولية متزايدة بشأن الأوضاع الإنسانية والانتهاكات المنسوبة إلى القوات الإسرائيلية والمجموعات المسلحة العاملة في القطاع.







