د. سامر موسى - مصدر الإخبارية
جاء الإعلان عن تنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة متزامن تقريبًا مع خريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة، وما تضمنته من نص واضح على نقل وظائف الحكم المدني والأمني إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقد فتح هذا التزامن نقاش قانوني حول مدى انسجام مشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية — بوصفها مدخلا لتكوين إحدى مؤسسات السلطة العامة — مع الصلاحيات الانتقالية الخاصة باللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومع الترتيبات المشاعه بشأن تعهد حماس بعدم المشاركة في الحكم
وتزداد الإشكالية تعقيدا مع اعتماد مبدأ التمثيل النسبي الكامل الذي يجعل الأراضي الفلسطينية المحتلة دائرة انتخابية واحدة، الأمر الذي يعني أن المجلس التشريعي المتوقع انتخابه سيمثل كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا قطاع غزة وحده، في حين أن ولاية اللجنة الوطنية تنحصر جغرافيا ووظيفيًا في إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية.
في ظل هذا التفاوت الجغرافي والوظيفي، انقسم اهل القانون فيما يخص مشاركة حماس من عدمها في الانتخابات التشريعة المقبلة بناء على الترتيبات التي فهمت من خارطة الطريق، إلى فريقين، الأول يرى أن العضوية في المجلس التشريعي لا تساوي بالضرورة ممارسة الوظيفة التنفيذية، خاصة مع وجود لجنة وطنية مستقلة تدير غزة، والثاني يعتبر أن المجلس التشريعي يمثل إحدى سلطات الحكم، وأن العضوية فيه تعد شكلا من أشكال المشاركة في السلطة العامة، وفي تقديري أن كلا الفقريقين ينطلق من نتيجة مسبقة قبل حسم الإشكالية الدستورية الأساسية، وهي: طبيعة العلاقة القانونية بين المجلس التشريعي واللجنة الوطنية لإدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية فهذه العلاقة هي التي تحدد دستوريا ما إذا كانت عضوية المجلس تعني مشاركة في الحكم أم مجرد تمثيل برلماني.
إن خريطة الطريق نقلت نظريا لغاية اللحظة وليس عمليا وظائف الحكم المدني والأمني في قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية خلال المرحلة الانتقالية، وأكدت عدم تدخل الفصائل ولا سيما حركة حماس في أعمالها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكن الوثائق المعلنة لم تحسم مسألة لا تقل أهمية وهي الموقع القانوني للجنة داخل النظام الفلسطيني، فهي هل تعد جزء من السلطة التنفيذية فتخضع للقواعد الدستورية المعتادة أم أنها هيئة انتقالية ذات طبيعة خاصة تستمد ولايتها من الترتيبات الاستثنائية التي فرضتها المرحلة.
هذه المسألة ليست نظرية، فالقانون الأساسي الفلسطيني ينظم العلاقة بين السلطات الدستورية التقليدية ويمنح المجلس التشريعي صلاحيات التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، لكنه في المقابل لا يعرف هيئة انتقالية تتولى إدارة جزء من الإقليم المحتل لفترة محددة خارج البناء الدستوري المعتاد، ولذلك لا يجوز افتراض أن اللجنة الوطنية تخضع تلقائيا لرقابة المجلس أو تستثنى منها تلقائيا في غياب نص ينظم هذه العلاقة
ويمثل المجلس التشريعي، المتوقع انتخابه وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، السلطة التشريعية المنتخبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها دائرة انتخابية واحدة، في حين تمثل اللجنة الوطنية لإدارة غزة هيئة انتقالية يقتصر نطاق عملها على قطاع غزة خلال مدة زمنية محددة، ويؤكد هذا الاختلاف في النطاقين الوظيفي والجغرافي أن العلاقة بين المؤسستين لا يمكن افتراضها، بل يجب أن تستند إلى تنظيم قانوني صريح يحدد حدود اختصاص كل منهما وآليات التنسيق والرقابة بينهما.
علما أن التجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن المراحل الانتقالية كثيرا ما تنشئ هيئات ذات اختصاصات استثنائية لا تخضع للقواعد العادية، فقد عرفت كوسوفو وتيمور الشرقية والبوسنة ترتيبات انتقالية مارست فيها هيئات خاصة اختصاصات تنفيذية واسعة بينما بقيت المؤسسات المنتخبة محدودة الاختصاص خلال المرحلة الانتقالية، ولم يكن ذلك انتقاصًا من الديمقراطية بقدر ما كان تنظيمًا مؤقتًا لمرحلة استثنائية انتهت بعودة النظام الدستوري الكامل، والعبرة في جميع هذه التجارب لم تكن في وجود الاستثناء بل في وضوح أساسه القانوني وحدوده الزمنية والرقابة عليها ففي كوسوفو احتفظ الممثل الدولي بصلاحيات محفوظة في مجالات الأمن والعدالة رغم وجود جمعية منتخبة، وفي تيمور الشرقية بدأت المؤسسات التمثيلية بصورة استشارية قبل الانتقال إلى السلطة الكاملة، وفي البوسنة ظلت البرلمانات المنتخبة خاضعة لسلطة الممثل الأعلى الدولي في مسائل جوهرية، هذه النماذج لا تنسخ حرفيا إلى الحالة الفلسطينية، لكنها تؤكد مبدأ أساسيا: أن الطبيعة الاستثنائية للمرحلة قد تبرر وجود قواعد دستورية انتقالية
ومن هنا فإن اللجنة الوطنية تبدو أقرب إلى هيئة انتقالية وظيفية أُنشئت لإدارة ظرف استثنائي وليس إلى حكومة دائمة، وهذه الطبيعة تبرر من حيث المبدأ وجود قواعد دستورية انتقالية تختلف عن القواعد العادية، فالاستثناء في القانون الدستوري لا يكتسب مشروعيته من الضرورة وحدها وإنما من كونه محدد ومؤقت وخاضع للمساءلة، على هذا الأساس فإن توصيف العضوية في المجلس التشريعي خلال المرحلة الانتقالية يقتضي قدرا من الدقة، فمن الناحية الدستورية، يعد المجلس التشريعي إحدى سلطات النظام السياسي الفلسطيني، وتمثل العضوية فيه مشاركة في إحدى مؤسسات السلطة العامة، فإن تحديد مدى اتصال هذه المشاركة بإدارة قطاع غزة لا يحسم بمجرد اكتساب الصفة النيابية، وإنما يتوقف على طبيعة الاختصاصات التي ستباشرها اللجنة الوطنية، وحدود العلاقة القانونية بينها وبين المجلس التشريعي فإذا كانت اللجنة ستمارس اختصاصاتها باستقلال عن المجلس، ولا يملك المجلس أدوات مساءلتها أو التأثير في قراراتها، فإن العضوية البرلمانية تبقى في دائرة التمثيل النيابي العام ولا ترقى إلى مشاركة في حكم غزة، أما إذا امتدت الرقابة البرلمانية إلى اللجنة، سواء من خلال منح الثقة أو حجبها أو المساءلة المالية أو التشريعية، فإن المشاركة في المجلس تتحول عمليا إلى مدخل للتأثير في إدارة القطاع.
وفي المقابل، فإن استقلال اللجنة لا يعني أن تصبح سلطة بلا رقابة، فالقاعدة الدستورية السليمة تقتضي وجود آليات مساءلة تتناسب مع طبيعتها الانتقالية سواء من خلال القضاء أو هيئة رقابية مستقلة أو الجهة التي أنشأت هذا النظام الانتقالي، فالفرق كبير بين غياب الرقابة البرلمانية وبين غياب الرقابة القانونية، فالأول قد تفرضه طبيعة المرحلة أما الثاني فلا ينسجم مع مبادئ سيادة القانون، وإذا اتجه المشرع القانوني إلى استبعاد الرقابة البرلمانية المباشرة على اللجنة الوطنية بحكم طبيعتها الانتقالية، فينبغي أن يقابل ذلك بإقرار آليات قانونية بديلة بما ينسجم مع مبدأ سيادة القانون ويحول دون قيام سلطة تنفيذية لا تخضع لأي شكل من أشكال الرقابة.
إن الجدل القانوني الذي أثير بعد الإعلان عن تنظيم الانتخابات التشريعية في ظل المرحلة الانتقالية يفترض أنه لا يتعلق في جوهره بهوية القوائم أو الفصائل المشاركة، وإنما بطبيعة البناء الدستوري الذي سينظم العلاقة بين المجلس التشريعي واللجنة الوطنية لإدارة غزة، فالمجلس التشريعي لا يمثل مجرد هيئة تشريعية منعزلة، بل يعد إحدى مؤسسات السلطة العامة، وتترتب على العضوية فيه آثار دستورية تمتد لاكتساب عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، في حين تمارس اللجنة الوطنية اختصاصات تنفيذية استثنائية خلال مرحلة انتقالية لم تتحدد قواعدها القانونية بصورة كافية، ومن ثم فإن أي تحليل قانوني لهذه المرحلة ينبغي أن ينطلق من توزيع الاختصاصات بين المؤسستين، لا من هوية الأطراف السياسية المشاركة
ولعل الحلقة المفقودة في خريطة الطريق لا تتمثل في النص الذي أسند إدارة قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية، وإنما في غياب إطار دستوري انتقالي ينظم علاقتها بالمجلس التشريعي، فوضوح هذه القواعد هو الضمانة الأساسية لانسجام العملية الانتخابية مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ولمنع تحول الغموض القانوني إلى نزاع دستوري أو سياسي ومن ثم، فإن استكمال البناء الدستوري للمرحلة الانتقالية يقتضي اعتماد إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين اللجنة الوطنية والمجلس التشريعي، ويحدد اختصاص كل منهما، وآليات الرقابة والمساءلة، وحدود الاستثناءات الانتقالية ومدتها، بما يحفظ وحدة النظام القانوني الفلسطيني ويمنع تنازع الاختصاصات بين المؤسستين
وبهذا المعنى، فإن الإشكالية الدستورية لا تتعلق في حقيقتها بمشاركة هذا الفصيل أو ذاك في الانتخابات، وإنما بقدرة النظام الدستوري الفلسطيني على استيعاب مرحلة انتقالية تتعايش فيها مؤسسات دائمة مع ترتيبات استثنائية، دون الإخلال بمبدأ توزيع الاختصاصات أو سيادة القانون، فنجاح الانتخابات المقبلة لن يقاس فقط بإجرائها أو بنتائجها، وإنما بقدرة الإطار الدستوري الذي يحكم المرحلة الانتقالية على إنتاج علاقة مؤسسية واضحة بين المجلس التشريعي واللجنة الوطنية لإدارة غزة، بما يمنع تحول الغموض القانوني إلى مصدر جديد للنزاع السياسي، ويجعل المرحلة الانتقالية خطوة نحو استعادة انتظام النظام الدستوري الفلسطيني، لا نموذجًا دائمًا للحكم الاستثنائي.




