وكالات - عاد القلق بشأن مستقبل الدولار الأميركي إلى واجهة الأسواق المالية، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات المالية والنقدية في الولايات المتحدة، وارتفاع أعباء الدين الحكومي، ما دفع بعض المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على العملة الأميركية والبحث عن أصول بديلة، في مقدمتها الذهب و"بتكوين".
وأطلق متعاملون في وول ستريت على هذا الاتجاه اسم "تجارة خفض قيمة العملة"، في إشارة إلى استراتيجية استثمارية تقوم على التحوط من احتمال تراجع قيمة العملة عبر بيع الأصول المقومة بها والانتقال إلى أصول يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة.
ويستند المصطلح إلى ممارسات تاريخية لجأت إليها حكومات وحكام، مثل الملك الإنجليزي هنري الثامن والإمبراطور الروماني نيرون، عندما جرى خفض قيمة العملات المعدنية عبر تقليل نسبة المعادن النفيسة فيها وخلطها بمعادن أقل قيمة.
ورغم أن بعض المستثمرين لا يرون في ضعف الدولار الحالي سبباً كافياً لإطلاق تحذيرات واسعة، فإن مؤيدي هذه النظرية يعتبرون أن الاتجاه يعكس مخاوف متزايدة بشأن جاذبية الأصول الأميركية، خصوصاً في ظل استمرار ارتفاع الدين الحكومي وتزايد تكاليف خدمته.
تحركات بيسنت تعيد مخاوف ضعف الدولار
وتزايدت المخاوف بعد تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في الأسواق المالية، سواء من خلال دعم الين الياباني أو عبر تحركات تستهدف خفض تكاليف الاقتراض الأميركي طويلة الأجل.
وساهمت هذه التحركات في تعزيز التكهنات بأن السلطات الأميركية قد تكون أكثر تقبلاً لدولار أضعف، رغم تأكيد بيسنت استمرار تبني واشنطن سياسة تقوم على دعم العملة الأميركية القوية.
وكانت الولايات المتحدة قد ساعدت اليابان في دعم الين من خلال تدخل في أسواق العملات، في خطوة اعتُبرت الأولى من نوعها منذ نحو ثلاثة عقود، وإن تمت عبر بيع اليورو بدلاً من الدولار.
ويرى بعض المحللين أن هذا التدخل قد يقلل حاجة اليابان إلى بيع سندات الخزانة الأميركية للحصول على الدولار اللازم لدعم عملتها، وهو ما قد يوفر بعض الدعم لسوق الدين الأميركي.
إعادة شراء السندات تحت المجهر
وفي الوقت ذاته، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية خططاً لزيادة عمليات إعادة شراء بعض السندات الحكومية طويلة الأجل، في وقت ارتفعت فيه عوائد السندات لأجل 30 عاماً بفعل مخاوف التضخم والضغوط المالية المرتبطة بالحرب.
وتثير هذه السياسة نقاشاً حول كيفية تعامل الحكومة الأميركية مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذ يرى بعض المحللين أن محاولة الحد من ارتفاع عوائد السندات من خلال تدخلات الخزانة، بدلاً من معالجة العجز المالي الأساسي، قد تنقل جزءاً من الضغوط من سوق السندات إلى سوق العملات.
وحذر روبن بروكس، الزميل البارز في معهد "بروكينغز"، من أن محاولة وضع سقف للعوائد طويلة الأجل دون معالجة الاختلالات المالية قد تزيد مخاطر تحول أزمة الدين إلى أزمة عملة.
وأضاف أن تجربة اليابان والانخفاض الطويل في قيمة الين تقدم مثالاً على المخاطر المحتملة عندما تتراكم الضغوط المالية والنقدية.
لماذا يتخوف المستثمرون من الدولار؟
ترتبط المخاوف الحالية بصورة أساسية بالتزايد المستمر في حجم الدين الأميركي وتكاليف خدمته.
فقد رفعت الولايات المتحدة مستويات الاقتراض بشكل كبير خلال جائحة كورونا، في محاولة لتجنب ركود اقتصادي حاد، قبل أن يؤدي تدفق الأموال إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات والمساهمة في ارتفاع التضخم.
ورد الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بقوة للحد من التضخم، وهو ما نجح إلى حد كبير في تهدئة ضغوط الأسعار، لكنه في المقابل رفع تكلفة خدمة الدين الحكومي الأميركي.
ومع ارتفاع مدفوعات الفائدة، تصبح مساحة الحكومة للتحفيز المالي أو تمويل برامج الإنفاق أقل، فيما قد تضطر واشنطن إلى اتخاذ إجراءات لخفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، الأمر الذي قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤثر في جاذبية الدولار.
ويتجاوز الدين الوطني الأميركي حالياً 40 تريليون دولار، ما يزيد حساسية المستثمرين تجاه قدرة الحكومة على إدارة الدين والعجز على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، دعا المستثمر الملياردير راي داليو في أغسطس المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على السندات والاحتفاظ بمزيج من الذهب و"بتكوين" للتحوط من احتمال تفاقم أزمة الدين الأميركي.
الذهب يستفيد من مخاوف الدولار
يأتي الذهب في مقدمة المستفيدين من موجة القلق بشأن الدولار، باعتباره أحد أبرز الأصول التي يستخدمها المستثمرون للتحوط في فترات الاضطراب المالي والجيوسياسي.
ويتميز الذهب عن العملات والأصول المالية التقليدية بأن عرضه لا يخضع لقرارات الحكومات أو البنوك المركزية بصورة مباشرة، إذ تحدد العوامل الجيولوجية حجم المعروض منه على المدى الطويل.
ورغم أن الذهب لا يمثل تحوطاً مثالياً ضد التضخم على المدى القصير، فإنه يحظى بمكانة راسخة ضمن محافظ المستثمرين باعتباره أصلاً يمكن الاحتفاظ به لفترات طويلة دون الاعتماد على قدرة جهة حكومية معينة على الوفاء بالتزاماتها.
كما أن تسعير الذهب بالدولار يجعل المعدن النفيس يستفيد غالباً من ضعف العملة الأميركية، إذ يصبح شراء الذهب أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى.
البنوك المركزية تعزز الطلب على الذهب
ولا يقتصر الطلب على الذهب على المستثمرين الأفراد والمؤسسات، إذ تواصل البنوك المركزية زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس.
ويرتبط جزء من هذا التوجه بالرغبة في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الرئيسية، خصوصاً مع تزايد المخاوف من استخدام النظام المالي العالمي والعقوبات الاقتصادية كأدوات سياسية.
وأدى تجميد أصول روسية في أعقاب الحرب على أوكرانيا إلى تعزيز النقاش بين بعض الدول حول مخاطر الاعتماد المفرط على الأصول المقومة بالدولار، ودفع بعضها إلى زيادة حيازاته من الذهب كأصل احتياطي بديل.
"بتكوين" خيار آخر للتحوط
إلى جانب الذهب، ينظر بعض المستثمرين إلى "بتكوين" باعتبارها وسيلة للتحوط من ضعف العملات التقليدية والسياسات المالية التوسعية.
وتختلف العملة المشفرة عن الذهب في طبيعتها ومستوى تقلبها، إذ يمكن أن تشهد تحركات سعرية حادة، لكنها تجذب المستثمرين الذين يرون أنها أقل ارتباطاً بالسياسات النقدية والمالية للحكومات.
ومع تجدد الحديث عن ضعف الدولار، اكتسبت استراتيجية شراء "بتكوين" مقابل بيع العملة الأميركية اهتماماً أكبر بين بعض المتعاملين، وإن ظل هذا النوع من التحوط أكثر مخاطرة مقارنة بالذهب.
الدولار ليس في طريقه بالضرورة إلى أزمة
في المقابل، يرفض بعض المستثمرين والمحللين اعتبار التحركات الحالية دليلاً على وجود موجة واسعة ومنظمة للتخلي عن الدولار.
ويستند المشككون إلى استمرار امتلاك المستثمرين العالميين كميات ضخمة من سندات الخزانة الأميركية، فضلاً عن استمرار الطلب على الأصول الأميركية.
كما أن قوة سوق الأسهم الأميركية تمثل عاملاً مهماً في دعم الطلب على الدولار، إذ يحتاج المستثمرون الأجانب إلى العملة الأميركية لشراء الأسهم والأصول المقومة بها.
ويرى هؤلاء أن تراجع الدولار لا يعني بالضرورة وجود أزمة، خصوصاً أن العملات تتحرك بشكل دوري وفق فروق أسعار الفائدة والنمو والتدفقات الاستثمارية والتوقعات الاقتصادية.
وكان برنت دونيلي، رئيس "سبكترا ماركتس"، قد رأى في البداية أن تحركات وزارة الخزانة قد توفر فرصة لشراء "بتكوين" وبيع الدولار مقابل الفرنك السويسري، لكنه أعاد تقييم موقفه لاحقاً بعدما تبين أن حجم عمليات إعادة شراء السندات لا يزال صغيراً مقارنة بالحجم الهائل لسوق الخزانة الأميركية.
معركة الدولار تتجاوز سعر الصرف
وتعكس عودة الحديث عن "تجارة خفض قيمة العملة" قلقاً أوسع من مجرد تحركات سعر الدولار اليومية، إذ ترتبط المسألة بقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدين والعجز، ومدى استقلال السياسة النقدية، ومستقبل عوائد السندات، وثقة المستثمرين العالميين في الأصول الأميركية.
وبينما لا توجد مؤشرات حاسمة حتى الآن على تحول واسع بعيداً عن الدولار، فإن تزايد الإقبال على الذهب و"بتكوين"، إلى جانب النقاش المتصاعد حول الدين الأميركي وسياسات وزارة الخزانة، يشير إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه المخاطر المرتبطة بالعملة الأميركية.
وفي ظل استمرار هذه الضغوط، ستظل قدرة واشنطن على الحفاظ على ثقة الأسواق وإدارة الدين والعجز، إلى جانب قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان القلق الحالي مجرد موجة مؤقتة أم بداية تحول أطول أمداً في توجهات المستثمرين.







