تل أبيب - طرحت السلطات الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، عطاءً لبناء نحو 1,200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة شرق القدس وبين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة أثارت اعتراضات حقوقية وانتقادات دولية واسعة.
وجاء طرح العطاء بصورة مفاجئة، ومن دون إبلاغ النيابة العامة الإسرائيلية التي تمثل الدولة أمام المحكمة في الالتماسات المقدمة ضد مخططات البناء في المنطقة، بحسب تقرير لصحيفة "هآرتس".
وتقول منظمات حقوقية إن الطريقة التي جرى بها طرح العطاء تخالف التفاهمات التي جرت خلال إجراءات قضائية سابقة، إذ كانت النيابة قد تعهدت بإبلاغ الملتمسين مسبقًا بموعد نشر العطاء حتى يتمكنوا من طلب إصدار أمر قضائي مؤقت لتجميده.
النيابة لم تكن على علم بموعد نشر العطاء
وكانت المحكمة المركزية في القدس قد نظرت في يونيو/حزيران الماضي في عدة التماسات تتعلق بمخططات البناء في منطقة E1.
وخلال الإجراءات القضائية، مثل المحامي ميخائيل سفارد منظمات "بمكوم" و"عير عميم" و"السلام الآن"، إضافة إلى فلسطينيين يُتوقع أن يتأثروا بالمخططات.
وبحسب الطلب الذي قدمه سفارد إلى المحكمة، جرت اتصالات بين الدولة والملتمسين بعد جلسة يونيو، وتم خلالها التعهد بإبلاغهم مسبقًا بموعد نشر العطاءات، بما يسمح لهم بدراسة إمكانية التوجه إلى المحكمة وطلب تجميدها.
إلا أن هذا الإبلاغ لم يتم، كما أن محامي النيابة الذين يمثلون الدولة في القضية لم يكونوا على علم بموعد نشر العطاء، وفق ما أورده الطلب.
وطالبت المنظمات الحقوقية المحكمة بتجميد العطاء، معتبرة أن نشره بهذه الطريقة يمثل محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أن تتمكن المحكمة من البت في قانونية المخططات.
مخاوف من فرض واقع جديد قبل الانتخابات
ويرى مقدمو الالتماس أن توقيت طرح العطاء قد تكون له أهمية سياسية كبيرة، إذ يمكن أن يسمح بإتمام إجراءات اختيار المقاولين وتوقيع العقود قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
وقال سفارد إن نشر العطاء بهذه السرعة ومن دون إبلاغ النيابة يهدف إلى إحباط الإجراءات القضائية المتعلقة بقانونية المخططات، إضافة إلى دفع عملية الاستيطان في المنطقة قبل الانتخابات.
وبحسب منظمات مراقبة الاستيطان، فإن المشكلة لا تقتصر على بدء أعمال البناء، إذ إن مجرد إغلاق العطاء واختيار المقاولين يمكن أن يؤدي إلى إنشاء التزامات قانونية يصعب على حكومة إسرائيلية مقبلة التراجع عنها.
وقالت حاغيت عوفران من مشروع مراقبة الاستيطان في حركة "السلام الآن" إن لجنة العطاءات تستطيع، بعد إغلاق باب تقديم العروض، الاجتماع واختيار المقاولين الفائزين ثم توقيع العقود خلال فترة قصيرة.
وأضافت أن استمرار الإجراءات دون تجميدها قد يعني تشكيل حكومة جديدة في ظل وجود عقود موقعة بالفعل، ما سيجعل إلغاء المشروع أكثر تعقيدًا، وربما يترتب عليه دفع تعويضات للمقاولين.
عطاء أصغر من مخطط سابق
ويأتي العطاء الحالي بعد سلسلة من التأجيلات لعطاء أكبر كانت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية قد أعلنت نيتها طرحه لبناء نحو 3,400 وحدة سكنية في المنطقة.
وخلال الأشهر الماضية، حددت الوزارة عدة مواعيد لفتح العطاء أمام المستثمرين والمقاولين، إلا أن الإجراءات لم تدخل حيز التنفيذ.
أما العطاء الجديد فيشمل نطاقًا أصغر، إذ جرى فصل الوحدات التي يتضمنها عن المخطط الأكبر المتعثر وطرحها بشكل مستقل.
وتحظى منطقة E1 بأهمية استراتيجية كبيرة في الصراع على مستقبل الضفة الغربية، بسبب موقعها بين القدس ومعاليه أدوميم، وبسبب المخاوف الفلسطينية والدولية من أن يؤدي توسيع الاستيطان فيها إلى عزل أجزاء من الضفة الغربية عن بعضها.
تحذيرات دولية من البناء في E1
وكانت 11 دولة غربية قد دعت، في مايو/أيار الماضي، المقاولين إلى عدم المشاركة في العطاء الأكبر المتعلق بالمنطقة.
وتضمن البيان الغربي تحذيرًا غير معتاد للشركات من التداعيات القانونية والمتعلقة بالسمعة نتيجة المشاركة في مشاريع بناء المستوطنات، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بما تعتبره هذه الدول مخالفات للقانون الدولي.
وأثار طرح العطاء الجديد موجة انتقادات دولية جديدة، إذ أدانت الخطوة دول أوروبية بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
كما صدرت إدانات عن ثماني دول عربية وإسلامية، بينها مصر والأردن وعدد من دول الخليج.
من جهتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة "لا تؤيد ضم الضفة الغربية".
بريطانيا تلوّح بإجراءات ضد التوسع الاستيطاني
وكان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند من أوائل المسؤولين الغربيين الذين علقوا على طرح العطاء، معلنًا أن بلاده تعتزم خلال الأسابيع المقبلة عرض حزمة إجراءات رداً على السياسة الإسرائيلية.
وقال ميليباند إن الإجراءات تهدف إلى حماية إمكانية قيام دولة فلسطينية، وتشمل عقوبات محددة تستهدف المشاركين في التوسع الاستيطاني، إضافة إلى دعم مسار يؤدي إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على التصريحات البريطانية، واصفًا إياها بأنها "متعالية"، ومؤكدًا موقف الحكومة الإسرائيلية بشأن حق اليهود في العيش في مختلف أنحاء ما وصفه بـ"أرض إسرائيل".
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها "هآرتس"، تدرس الحكومة البريطانية بصورة جدية فرض إجراءات ضد إسرائيل، من بينها خيار يتعلق بحظر التجارة مع المستوطنات.
إسرائيل ترفض التعليق على تفاصيل العطاء
وقالت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية إن القضية لا تزال خاضعة لإجراءات قضائية، ولذلك لا ترى الوزارة أنه من المناسب الرد على الادعاءات عبر وسائل الإعلام.
وأكدت الوزارة أنها ستتصرف وفق قرارات المحكمة وتعليماتها.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب التوسع الاستيطاني، بينما يُنظر إلى منطقة E1 باعتبارها واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى مستقبل الضفة الغربية وإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويخشى معارضو المشروع أن يؤدي تنفيذ المخطط إلى تعميق الفصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتقويض فرص التوصل مستقبلًا إلى تسوية قائمة على حل الدولتين.







