تل أبيب - حذّر كبار قادة الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي من أن الضفة الغربية تقف على أعتاب تصعيد واسع النطاق، في ظل الارتفاع المتواصل في اعتداءات المستوطنين الفلسطينيين، وما يصفه الجيش بعجز مؤسسات الدولة عن التعامل الفعال مع هذه الظاهرة.
وكشفت صحيفة «يسرائيل هيوم»، في تقرير نشرته الخميس، أن التحذير طُرح خلال اجتماع مغلق عُقد الأحد لدى وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بحضور رئيس أركان الجيش وقائد المنطقة الوسطى ورئيس شعبة العمليات ومنسق أعمال الحكومة في المناطق، إلى جانب مسؤولين أمنيين آخرين.
وبحسب التقرير، فإن الجيش حذر من أن استمرار الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون في القرى والبلدات الفلسطينية قد يؤدي إلى انتقال الضفة الغربية من حالة الاحتقان إلى موجة مواجهة واسعة، مشيرًا إلى أن الوقت المتاح لمنع هذا السيناريو آخذ في التراجع.
أرقام متصاعدة لاعتداءات المستوطنين
وخلال الاجتماع، عرض الجيش معطيات قال إنها تظهر تصاعدًا حادًا في ما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي» خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، سُجلت 682 حادثة عام 2024، ارتفع عددها إلى 867 حادثة خلال عام 2025، فيما شهد النصف الأول من عام 2026 وحده تسجيل 636 حادثة.
وأشار التقرير إلى أن هذه الاعتداءات أسفرت خلال عام 2025 عن إصابة 41 فلسطينيًا، بينما قُتل منذ بداية العام الجاري أربعة فلسطينيين وأصيب 60 آخرون جراء اعتداءات المستوطنين، وفق المعطيات التي عرضها الجيش.
وجاء الاجتماع في أعقاب أحداث متوترة شهدتها بلدة قصرة جنوب نابلس، والتي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى بؤرة احتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين وقوات الاحتلال، وسط انتشار عسكري واسع في المنطقة.
الجيش: اعتداءات المستوطنين عامل رئيسي في تأجيج الضفة
ووفق ما نقلته الصحيفة عن مضمون الاجتماع، اعتبر ممثلو الجيش أن الأعمال التي ينفذها مستوطنون في القرى الفلسطينية تشكل عاملًا رئيسيًا في التحريض والتصعيد.
وقال ممثلو المؤسسة العسكرية إن هذه الاعتداءات تدفع الفلسطينيين، الذين حافظوا منذ بداية الحرب على مستوى منخفض نسبيًا من الانخراط في المواجهة، إلى إعادة النظر في موقفهم، وقد تشكل أرضية للتحريض ضد الإسرائيليين وقوات الأمن.
وحذر الجيش من أن استمرار هذه الأفعال يمكن أن يقود إلى تصعيد تدريجي واسع النطاق تكون له انعكاسات بعيدة المدى على الأمن الإسرائيلي.
كما شدد على ضرورة تنفيذ تحرك مشترك وعاجل بين مختلف أجهزة الدولة بهدف احتواء الظاهرة، محذرًا من وجود «خشية كبيرة» من اندلاع مواجهة في وقت قريب إذا لم تُتخذ إجراءات فورية.
مخاوف من تغير الموقف الفلسطيني
ويتمثل أحد أبرز عناصر التحذير الإسرائيلي في الاعتقاد بأن صبر الفلسطينيين في الضفة الغربية بدأ ينفد.
فمنذ اندلاع الحرب، حافظت الضفة الغربية، وفق التقرير، على مستوى من عدم الانخراط في مواجهة شاملة، رغم العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في القطاع والضفة، إلى جانب التدهور الاقتصادي الحاد الناجم، من بين عوامل أخرى، عن القيود المفروضة على دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل.
ويرى الجيش أن استمرار اعتداءات المستوطنين قد يغير هذه المعادلة، خصوصًا أن الفلسطينيين ينظرون إلى جزء من هذه الاعتداءات باعتباره محاولة لفرض السيطرة على الأراضي ودفع السكان إلى مغادرة مناطقهم.
ويخشى الجيش الإسرائيلي من أن يؤدي ذلك إلى انتقال الاحتقان من المستوى المحلي إلى موجة مواجهة أوسع تشمل القوات الإسرائيلية والمستوطنين.
الجيش ينتقد عجز مؤسسات الدولة
ولم يقتصر التحذير على حجم الاعتداءات، بل شمل أيضًا ما يصفه الجيش بعجز مؤسسات الدولة عن مواجهتها.
وبحسب التقرير، فإن الانتقادات تطال بصورة أساسية أداء الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب آليات تعامل جهاز الأمن العام «الشاباك» مع المشتبه بهم في تنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين.
كما يرتبط الأمر، وفق التقرير، بقرار كاتس منذ توليه منصبه عدم المصادقة على أوامر الاعتقال الإداري بحق يهود مشتبه بضلوعهم في أعمال إرهابية، وهو إجراء كان يُستخدم سابقًا كإحدى أدوات الردع والاحتواء.
ويشير التقرير إلى أن غياب هذه الأداة، إلى جانب عدم وجود استجابة مؤسساتية كافية، يزيد العبء الملقى على الجيش الإسرائيلي.
قوات الجيش تُستنزف في مواجهة المستوطنين
ويحذر الجيش أيضًا من أن تصاعد الاعتداءات يفرض عليه تخصيص أعداد متزايدة من القوات للتعامل معها، على حساب مهامه الأخرى في الضفة الغربية والجبهات المختلفة.
وفي أعقاب أحداث قصرة الأسبوع الماضي، اضطرت كتيبة من لواء غولاني إلى قطع تدريبها والتوجه إلى المنطقة للتعامل مع التطورات الأمنية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضغوطًا متزايدة نتيجة طول أمد الحرب، واستنزاف القوات النظامية والاحتياط، فضلًا عن اتساع نطاق المهام الأمنية.
ويرى التقرير أن انتشار البؤر الاستيطانية والمزارع الجديدة في مناطق مختلفة من الضفة يضيف أعباء أمنية جديدة على الجيش، الذي يضطر إلى توفير حماية ومتابعة أمنية لهذه المناطق.
انتقادات للمستوى السياسي
ووفق «يسرائيل هيوم»، تضمن الاجتماع انتقادات غير معتادة للمستويين السياسي والحكومي، على خلفية ما اعتبره الجيش رسائل سياسية قد تشجع المتطرفين على مواصلة تحركاتهم.
ويشير التقرير إلى أن بعض المسؤولين الأمنيين يرون أن هناك فجوة متزايدة بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي في طريقة التعامل مع اعتداءات المستوطنين، خصوصًا في ظل تصريحات ومواقف لوزراء وأعضاء كنيست يمينيين مؤيدة لتحركات استيطانية في مناطق فلسطينية.
ومن أبرز الملفات الخلافية قرار كاتس توجيه الجيش إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية بالضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية.
ويرى التقرير أن هذه الخطوة تثير إشكالات سياسية وقانونية، نظرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يتولى حاليًا جزءًا أساسيًا من صلاحيات الإدارة والأمن في الضفة الغربية المحتلة.
تحذير من تكرار إخفاقات ما قبل 7 أكتوبر
ووضع التقرير التحذير الحالي في سياق إخفاقات المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية في التعامل مع تحذيرات سابقة سبقت هجوم 7 أكتوبر.
وأشار إلى أن الجيش كان قد حذر قبل الهجوم من احتمالات وقوع تصعيد خطير، لكن التحذيرات لم تتحول إلى إجراءات كافية في الوقت المناسب.
وبحسب التقرير، فإن المؤسسة العسكرية تضع أمام القيادة السياسية الآن تحذيرًا جديدًا يتعلق بالضفة الغربية، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى انفجار أمني واسع ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الضفة.
ولا تقتصر المخاطر، وفق التقدير الإسرائيلي، على الجانب الأمني، بل قد تمتد إلى المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في ظل الترابط الجغرافي والديموغرافي بين الضفة الغربية وإسرائيل.
ويخلص التقرير إلى أن الجيش يرى أن الخطر فوري وقابل للتفاقم، وأن احتواءه يتطلب تحركًا مؤسساتيًا عاجلًا، بينما يثير استمرار الخلاف بين الأجهزة الأمنية والمستوى السياسي مخاوف من تفويت فرصة منع التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة أوسع.






