تل أبيب - أثار القصف الذي استهدف مطار أبو الظهور في شمال شرق سوريا، ليل الثلاثاء، تساؤلات بشأن أبعاده الاستراتيجية، في ظل تقارير عن مساعٍ تركية لتعزيز وجودها العسكري داخل الأراضي السورية ونشر منظومات رادار ودفاع جوي في مواقع ذات أهمية استراتيجية.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "واي نت" الإسرائيلية، فإن الهجوم قد يكون موجهاً إلى أكثر من طرف، في مقدمتهم تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، إضافة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، في محاولة لرسم حدود واضحة أمام أي ترتيبات عسكرية يمكن أن تحد من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية.
ولا توجد، وفق ما ورد في التقرير، إفادة إسرائيلية رسمية تعلن مسؤولية تل أبيب عن الهجوم، إلا أن وسائل إعلام سورية وتركية نسبت القصف إلى إسرائيل، فيما تحدث مسؤول إسرائيلي رفيع عن مشاركة واشنطن معلومات استخباراتية حساسة قبل تنفيذ الضربة.
سيناريو يتكرر منذ قصف مطار T4
ويربط التحليل بين الهجوم الأخير وقصف إسرائيلي استهدف مطار T4 السوري في أبريل 2025.
فخلال السنوات الماضية، كان مطار T4 يستخدم من جانب القوات الجوية السورية، كما ارتبط باستخدام إيراني خلال الحرب السورية، وسط اتهامات إسرائيلية متكررة بمحاولات نقل أسلحة ومنظومات عسكرية متطورة عبر الأراضي السورية.
لكن قصف أبريل 2025 اكتسب أهمية إضافية، بعدما تحدثت تقارير عربية ودولية عن مساعٍ تركية للسيطرة على المطار وإنشاء منظومات رادار ودفاع جوي فيه عقب سقوط نظام بشار الأسد.
وبحسب التحليل الإسرائيلي، رأت تل أبيب آنذاك أن نشر أنظمة متطورة للكشف والاعتراض في موقع استراتيجي كهذا قد يحد من قدرة الطائرات الإسرائيلية على تنفيذ عملياتها في الأجواء السورية، وربما يؤثر أيضاً في مسارات عمليات محتملة باتجاه مناطق أخرى في المنطقة.
وتقول الصحيفة إن إسرائيل سعت في ذلك الوقت إلى توجيه رسالة واضحة إلى أنقرة مفادها أن وجوداً عسكرياً تركياً من هذا النوع يمثل خطاً أحمر.
لماذا يكتسب مطار أبو الظهور أهمية؟
يقع مطار أبو الظهور في شمال شرق سوريا، وكان منشأة عسكرية تابعة للقوات الجوية السورية خلال عهد الأسد، قبل أن تنتقل السيطرة عليه خلال سنوات الحرب بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة.
وبعد سقوط نظام الأسد، شنت إسرائيل حملة واسعة استهدفت القدرات العسكرية السورية، شملت تدمير طائرات ومنشآت ومخزونات استراتيجية، ما ترك عدداً من القواعد والمطارات العسكرية السورية من دون استخدام فعلي.
وبحسب التقرير، يتمتع مطار أبو الظهور بمساحة واسعة وعدد كبير من المدارج، ما يجعله موقعاً محتملاً لاستضافة منشآت عسكرية وأنظمة مراقبة ودفاع جوي.
وتشير تقارير إعلامية قطرية إلى أن تركيا تسعى إلى تثبيت وجودها في المطار ونشر أنظمة رادار للكشف وبطاريات لاعتراض الطائرات والصواريخ.
ويرى التحليل أن مثل هذا الوجود قد يفرض قيوداً على قدرة إسرائيل على العمل جواً في أجزاء واسعة من سوريا، خصوصاً إذا تم ربط هذه المنظومات بشبكة دفاع جوي متكاملة.
سوريا بين النفوذين التركي والإسرائيلي
لا يتعلق الأمر، وفق القراءة الإسرائيلية، بموقع عسكري منفرد، وإنما بالصراع على شكل الترتيبات الأمنية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
فتركيا تتمتع بنفوذ عسكري واسع في شمال سوريا، وتدعم قوى سورية حليفة لها، بينما تسعى إلى تعزيز موقعها الاستراتيجي داخل البلاد.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل الحفاظ على حرية واسعة في تنفيذ عملياتها الجوية داخل المجال السوري، خصوصاً في ظل مخاوفها من انتقال الأسلحة والقدرات العسكرية إلى جهات معادية لها.
ومن هنا، يرى التحليل أن قصف أبو الظهور قد يكون بمثابة رسالة مزدوجة إلى أنقرة ودمشق: إسرائيل لا تريد أن تتحول الأراضي السورية إلى منصة لإنشاء منظومة دفاع جوي تركية يمكن أن تحد من تحركاتها العسكرية.
رسالة إلى أحمد الشرع
لا يقتصر البعد السياسي للهجوم، بحسب التقرير، على تركيا، إذ يرى التحليل أن الرئيس السوري أحمد الشرع تلقى رسالة مباشرة أيضاً.
وكانت تركيا من أبرز الداعمين للقوى التي قادت المعارضة السورية خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد، فيما استضافت مناطق شمال سوريا فصائل مرتبطة بالمعارضة وحظيت بدعم تركي سياسي وعسكري.
ويرى التقرير أن هذه العلاقة تفسر سماح دمشق لأنقرة بتوسيع حضورها داخل سوريا، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز نفوذها جنوب حدودها.
وبحسب هذا التحليل، تريد إسرائيل إفهام الشرع بأن منح تركيا حرية واسعة في إنشاء مواقع عسكرية ومنظومات دفاع جوي قد يؤدي إلى مواجهة مع المصالح الإسرائيلية، حتى إذا لم تكن دمشق نفسها طرفاً مباشراً في المواجهة.
إسرائيل تتجنب مواجهة مباشرة مع تركيا
في الوقت نفسه، تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن إسرائيل تحاول تجنب تحويل الخلاف حول الوجود التركي في سوريا إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة.
ويقول التحليل إن الضربة نُفذت ليلاً وفي مناطق خالية من الأفراد، بما في ذلك القوات التركية، وهو ما قد يعكس رغبة إسرائيلية في توجيه رسالة عسكرية من دون التسبب في خسائر تركية يمكن أن تؤدي إلى تصعيد مباشر بين البلدين.
كما حافظت إسرائيل رسمياً على سياسة الصمت بشأن الهجوم.
لكن مسؤولاً إسرائيلياً رفيعاً قال لشبكة "فوكس نيوز" إن إسرائيل شاركت الولايات المتحدة، قبل تنفيذ الضربة، "معلومات استخباراتية حساسة"، مشيراً إلى أن هذه المعلومات نقلت إلى مستويات عليا في مؤسسات البلدين.
وأضاف المسؤول أن الشرع يدرك أنه لا يستطيع التصرف بالطريقة التي كان يتصرف بها النظام السوري السابق.
تباين إسرائيلي ـ أميركي بشأن سوريا
وأثار الهجوم أيضاً تبايناً في المواقف بين إسرائيل وبعض الأطراف المرتبطة بالسياسة الأميركية تجاه سوريا.
فقد أدانت دمشق القصف، كما نددت به أنقرة ونسبته إلى إسرائيل. كذلك انتقد السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، الهجوم.
وبحسب التحليل، يأتي ذلك في ظل سعي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى تعزيز علاقتها مع تركيا وأردوغان، ودعم مسار سياسي جديد في سوريا، بما يتوافق مع استراتيجية أوسع تهدف إلى دمج دمشق في ترتيبات إقليمية أكثر قرباً من الولايات المتحدة.
ويرى التقرير أن أي تصعيد إسرائيلي ضد ترتيبات عسكرية تركية داخل سوريا قد يتعارض مع بعض أهداف واشنطن، خصوصاً إذا أدى إلى توتر بين حليفتين للولايات المتحدة.
صراع على شكل سوريا الجديدة
ويعكس قصف مطار أبو الظهور، وفق هذا التحليل، صراعاً أوسع على مستقبل التوازن العسكري في سوريا بعد سقوط الأسد.
فتركيا تسعى إلى تثبيت نفوذها وحماية مصالحها الأمنية عبر وجود عسكري واستخباراتي متزايد، بينما تريد إسرائيل الحفاظ على حرية العمل العسكري ومنع ظهور منظومات دفاع جوي متقدمة يمكن أن تقيد تحركاتها.
أما الحكومة السورية الجديدة فتجد نفسها أمام موازنة معقدة بين الاعتماد على الدعم التركي والحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، من جهة، وتجنب الدخول في مواجهة مع إسرائيل، من جهة أخرى.
وعليه، قد لا يكون استهداف مطار أبو الظهور مجرد ضربة لمنشأة عسكرية، بل رسالة متعددة الاتجاهات إلى أنقرة ودمشق وواشنطن، مفادها أن ترتيبات ما بعد الأسد في سوريا لن تكون بمنأى عن الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وأن أي تغيير في خريطة الانتشار العسكري قد يواجه برد إسرائيلي إذا اعتُبر تهديداً لحرية الحركة الجوية أو للمصالح الاستراتيجية لتل أبيب.







