وكالات - تتجه أسواق النفط العالمية إلى اختبار أداة جديدة قد تسهم في سد فجوة مزمنة في آليات قياس سوق الخام الثقيل، بعدما اقترحت دراسة بحثية صادرة عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» تطوير مؤشر متخصص لرصد حالة هذا السوق، بعيدًا عن مؤشرات التسعير التقليدية التي تركز بصورة أكبر على الخامات الخفيفة.
وتأتي هذه المقترحات في وقت تستعد فيه فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في العالم، لاستعادة حضور أكبر في سوق النفط، فيما تتركز نسبة كبيرة من إنتاجها في الخامات الثقيلة. وترى الدراسة أن وجود مؤشر يعكس واقع هذا السوق قد يوفر للمنتجين والمصافي والمتداولين رؤية أكثر دقة بشأن مستويات المعروض والطلب والضغوط التي تواجه الإمدادات.
ونُشرت الدراسة في دورية «إنرجي إيكونوميكس» خلال أغسطس الجاري، وأعدها الباحثون جنيفر كونسيدين وفيليب غالكن وكارلو أندريا بولينو وعبدالله الدايل.
فجوة في مؤشرات تسعير النفط
تنطلق الدراسة من حقيقة أن الخامات الثقيلة والثقيلة جدًا تمثل ما بين 50% و70% من احتياطيات النفط العالمية، في حين لا تتجاوز حصتها نحو 15% من الإنتاج العالمي، ويرتبط ذلك بصورة أساسية بارتفاع تكاليف استخراجها وتعقيد عمليات تكريرها.
ويرى وائل مهدي، خبير أسواق النفط السعودي والمؤلف المشارك في الدراسة، أن غياب مؤشر يعكس أوضاع سوق الخام الثقيل يمثل فجوة حقيقية في بنية السوق العالمية.
وأوضح أن مؤشري برنت وغرب تكساس الوسيط يتمتعان بسيولة مرتفعة ويستخدمان على نطاق واسع في تسعير النفط، إلا أنهما يعكسان في الأساس قيمة الخامات الأخف، ولا يعبران بصورة كاملة عن اقتصاديات الخامات الثقيلة ذات الكثافة الأعلى ومحتوى الكبريت الأكبر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للمصافي التي استثمرت مليارات الدولارات في وحدات متطورة مثل التكسير الهيدروجيني ونزع الكبريت، بهدف التعامل مع الخامات الثقيلة.
لماذا لم يصبح الخام الثقيل مرجعًا سعريًا؟
رغم وجود أنواع رئيسية من الخام الثقيل، مثل مايا المكسيكي، وغرب كندا المختار، وأورالس الروسي، وكاستيا الكولومبي، وميري الفنزويلي، فإن أيًا منها لم يتحول إلى معيار سعري عالمي.
وترجع الدراسة ذلك إلى عدة عوامل، من بينها اقتصار الطلب عليها بدرجة كبيرة على المصافي المتخصصة، إلى جانب الاختلافات الكبيرة في خصائص الخامات من حيث الكثافة واللزوجة ومحتوى الكبريت، فضلًا عن غياب عقود آجلة مخصصة لها تتمتع بالسيولة الكافية.
كما أن بعض أكبر منتجي الخام الثقيل، ومن بينهم روسيا وفنزويلا وإيران والعراق، واجهوا في فترات مختلفة قيودًا وعقوبات أثرت في قدرتهم على الوصول إلى الأسواق العالمية.
وبالتالي، يعتمد المتداولون في كثير من الأحيان على مؤشرات الخامات القياسية الأخف لتحديد أسعار النفط الثقيل، رغم أن العلاقة بين النوعين لا تعكس دائمًا التطورات الفعلية في سوق الخام الثقيل.
وعلى سبيل المثال، يتداول خام غرب كندا المختار حاليًا بخصم يقارب 14 دولارًا للبرميل مقارنة بغرب تكساس الوسيط، وفق البيانات الواردة في الدراسة.
سوق النفط الثقيل له دورة اقتصادية مختلفة
تؤكد الدراسة أن أسعار الخام الثقيل لا تتحرك بالضرورة وفق العوامل نفسها التي تحكم سوق برنت، إذ تتأثر بمجموعة من المتغيرات الخاصة، تشمل هوامش التكرير، وأسعار زيت الوقود عالي الكبريت، وتكاليف إزالة الكبريت، والقيود المفروضة على خطوط الأنابيب والموانئ، فضلًا عن العقوبات وتكاليف الشحن.
ويشير مهدي إلى أن اضطراب الإمدادات من دول مثل فنزويلا أو المكسيك أو العراق يمكن أن يؤدي إلى تشديد سوق الخام الثقيل حتى في حال كان سوق النفط العالمي ككل يتمتع بإمدادات مريحة.
ومن هنا، فإن قياس وضع سوق الخام الثقيل بصورة مستقلة قد يوفر لصناع القرار إشارة مبكرة إلى الاختلالات التي لا تظهر بالضرورة من خلال مؤشرات النفط التقليدية.
مؤشر يعتمد على المخزونات
تقترح الدراسة مؤشرًا لا يهدف إلى تحديد سعر جديد للبرميل، وإنما إلى قياس درجة الضغط في سوق الخام الثقيل.
ويعتمد المؤشر المقترح على متابعة أوضاع المخزونات في أربعة مراكز رئيسية لتخزين النفط، هي قرطاخنة في إسبانيا، وهيوستن في الولايات المتحدة، وفادينار في الهند، وداليان في الصين.
ويقوم المؤشر على مقارنة سعر البرميل الموجود فعليًا في كل مركز تخزين مع تكلفة الحصول على أرخص برميل مماثل يمكن شحنه إلى الموقع نفسه، مع احتساب تكاليف النقل.
وبعد ذلك، يتم تجميع النتائج الخاصة بالمراكز الأربعة في مؤشر عالمي واحد يعكس درجة الضغط في سوق الخام الثقيل.
ماذا يعني ارتفاع المؤشر؟
بحسب الدراسة، فإن ارتفاع المؤشر يعني أن البراميل الموجودة في مراكز التخزين أصبحت أكثر تكلفة مقارنة بالبراميل التي يمكن استيرادها إلى تلك المراكز.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى خلق فرص للمراجحة التجارية، تدفع المصافي إلى شراء الخام من الخارج بدلًا من الاعتماد على المخزونات المحلية.
وترى الدراسة أن هذه الإشارات قد تكون مفيدة في تقييم الحاجة إلى تعديل قيود الإنتاج بالنسبة لبعض منتجي الخام الثقيل داخل «أوبك»، مثل فنزويلا والعراق، خصوصًا إذا أظهر المؤشر وجود نقص في الإمدادات الخاصة بهذا النوع من النفط.
«PHSIC».. مؤشر جديد لسوق الخام الثقيل
أطلقت الدراسة على المؤشر المقترح اسم «مؤشر باشيه المتسلسل لتخزين الخام الثقيل» (PHSIC)، في إشارة إلى الاقتصادي الألماني هيرمان باشيه، الذي استندت الدراسة إلى منهجيته في بناء المؤشر.
ولا يُقصد بالمؤشر أن يصبح أداة مباشرة لتسعير شحنات النفط أو أساسًا للعقود التجارية، بل أن يعمل كمرجع لقياس وضع السوق والضغوط التي تواجه الإمدادات.
وترى الدراسة أن بإمكان «أوبك» و«أوبك+» ووكالة الطاقة الدولية الاستفادة من المؤشر في مراقبة الاختلالات الإقليمية ونقص المخزونات، على غرار استخدام مؤشرات التضخم وغيرها من المؤشرات الاقتصادية في تقييم الأوضاع السوقية.
كما يمكن للمؤشر أن يوفر أساسًا أكثر وضوحًا عند مناقشة القرارات المتعلقة بالإنتاج، خصوصًا في الدول التي يعتمد جزء كبير من إنتاجها على الخامات الثقيلة.
فنزويلا في قلب المعادلة
قد تكتسب الفكرة أهمية أكبر مع عودة النفط الفنزويلي تدريجيًا إلى الأسواق العالمية، إذ يعتمد الإنتاج الفنزويلي بدرجة كبيرة على الخامات الثقيلة.
ومن شأن رفع القيود والعقوبات المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي أن يعيد كميات إضافية من الخام الثقيل إلى السوق، وهو ما يجعل وجود أداة تقيس وضع هذا السوق بصورة مستقلة أكثر أهمية للمنتجين والمشترين على حد سواء.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اضطراب في الإمدادات الفنزويلية قد ينعكس بصورة أكبر على سوق الخام الثقيل مقارنة بتأثيره في سوق النفط العالمية ككل، بسبب الخصائص المحددة لهذا النوع من البراميل وعدد المصافي القادرة على معالجته.
أداة لصناع القرار والمتداولين
يرى مؤيدو المقترح أن مؤشرًا موثوقًا لسوق الخام الثقيل يمكن أن يغير طريقة قراءة تطورات هذا القطاع، من خلال الفصل بين حالة سوق النفط العالمية بصورة عامة وحالة الخامات الثقيلة على وجه الخصوص.
وقد يستفيد منه المنتجون في تحديد مستويات الإنتاج، والمصافي في إدارة مشترياتها، والمتداولون في تقييم فروق الأسعار، بينما يمكن لـ«أوبك+» استخدامه كإشارة إضافية عند تقييم توازن السوق.
كما قد يكون المؤشر ذا أهمية خاصة للسعودية، باعتبارها من كبار منتجي النفط عالميًا وتصدر مجموعة متنوعة من الخامات، ما يمنحها مصلحة مباشرة في امتلاك أدوات أكثر دقة لرصد الفروق بين أنواع النفط المختلفة.
وبذلك، لا تستهدف الدراسة إنشاء بديل لمؤشرات برنت وغرب تكساس الوسيط، وإنما تقديم مقياس موازٍ يلتقط جانبًا من السوق ظل لفترة طويلة أقل وضوحًا في منظومة التسعير العالمية، وهو حالة سوق النفط الثقيل ومستوى ندرة أو وفرة إمداداته.






