رام الله - أكدت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، اليوم السبت، استمرار ما وصفته بـمنظومة الاحتلال الإسرائيلي في استهداف الصحفيين الفلسطينيين وعرقلة عملهم، عبر سلسلة من الإجراءات والاعتداءات التي تشمل الاحتجاز، والمنع من التغطية، والاعتقال، وإطلاق النار، والاستيلاء على المعدات، وإغلاق المؤسسات الإعلامية، وصولًا إلى قتل الصحفيين.
وقالت لجنة الحريات التابعة للنقابة، في تقرير جديد حول الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون خلال النصف الأول من عام 2026، إن استهداف الطواقم الإعلامية لم يعد يقتصر على حوادث فردية، وإنما يأخذ شكلًا متكررًا من الضغط على العمل الصحفي والحد من قدرة الإعلاميين على الوصول إلى المعلومات وتوثيق الأحداث ونقلها إلى الجمهور.
192 حالة احتجاز ومنع من التغطية
وبحسب التقرير، سجلت النقابة 192 حالة احتجاز ومنع من التغطية خلال النصف الأول من عام 2026.
وتشير بيانات النقابة إلى تسجيل 314 حالة من الفئة نفسها خلال عام 2023، ارتفعت إلى 396 حالة في عام 2024، ثم إلى 425 حالة خلال عام 2025.
وترى لجنة الحريات أن هذه الوقائع تعكس نمطًا متكررًا من التعامل مع الصحفيين أثناء ممارسة عملهم، معتبرة أن تحويل الصحفي من شخص مدني يتمتع بالحماية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني إلى "مشتبه أمني" يثير مخاوف جدية بشأن احترام الحماية المقررة للعاملين في المجال الإعلامي أثناء النزاعات المسلحة.
القانون الدولي وحماية الصحفيين
وأشارت اللجنة إلى أن القانون الدولي الإنساني لا يمنح الصحفي حصانة مطلقة في جميع الظروف، لكنه يتعامل معه باعتباره مدنيًا ما دام لا يشارك مباشرة في الأعمال العدائية.
واستند التقرير إلى المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول، التي تنص على حماية الصحفيين الذين يشاركون في مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة باعتبارهم مدنيين.
كما أشارت اللجنة إلى موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي يؤكد أن ممارسة العمل الصحفي، بما في ذلك التصوير ونقل الأخبار وانتقاد أحد أطراف النزاع، لا تحول الصحفي بحد ذاتها إلى هدف عسكري مشروع.
وبحسب النقابة، فإن هذه الحماية تصبح أكثر أهمية في ظل الظروف التي يعمل فيها الصحفيون الفلسطينيون، حيث يتعرضون لمخاطر متعددة أثناء محاولة الوصول إلى مواقع الأحداث وتوثيقها.
اعتقالات وإطلاق نار واستهداف للمعدات
إلى جانب حالات الاحتجاز والمنع من التغطية، وثقت لجنة الحريات خلال النصف الأول من العام الحالي 27 حالة اعتقال بحق صحفيين.
كما سجل التقرير 29 حالة إطلاق رصاص حي، إضافة إلى 78 حالة تضمنت إطلاق قنابل الغاز والقنابل الصوتية.
ووثقت اللجنة كذلك 22 حالة استيلاء على معدات صحفية أو تحطيمها، إلى جانب 7 اقتحامات استهدفت منازل صحفيين أو مؤسسات إعلامية، و3 حالات إغلاق لمؤسسات إعلامية.
وتقول النقابة إن تنوع وسائل الاستهداف يعكس، وفق قراءتها، تعدد الأدوات المستخدمة للتأثير في عمل الصحافة، بدءًا من تقييد حركة الصحفيين ومنعهم من الوصول إلى أماكن الأحداث، مرورًا بالاحتجاز والاعتقال والاعتداءات الميدانية، وصولًا إلى استهداف المعدات والمؤسسات التي توفر البنية اللازمة للعمل الإعلامي.
النقابة: المنع من التغطية يتجاوز خبر اليوم
وحذرت لجنة الحريات من أن تأثير منع الصحفيين من الوصول إلى مواقع الأحداث لا يقتصر على حرمان الجمهور من متابعة التطورات في وقتها.
وأكدت أن منع التغطية قد تكون له تداعيات طويلة الأمد، لأنه يؤثر على القدرة على توثيق الوقائع والأحداث التي قد تشكل أدلة يمكن الرجوع إليها بعد سنوات.
وبحسب التقرير، فإن غياب الصحفيين عن موقع الحدث قد يعني فقدان الصور والشهادات والمعلومات التي يمكن أن تساعد لاحقًا في إعادة بناء ما حدث والتحقق منه.
محمد اللحام: لسنا أمام حوادث منفصلة
وقال رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، محمد اللحام، إن البيانات التي أوردها التقرير لا تعكس، من وجهة نظر النقابة، مجموعة من الاعتداءات المنفصلة التي تعرض لها أفراد يعملون في مهنة الصحافة.
وأضاف أن ما تظهره الأرقام هو، بحسب وصفه، نمط متكرر من استخدام الأدوات العسكرية والأمنية والقضائية لتقييد قدرة الصحفيين على الوصول إلى المعلومات وتوثيقها ونشرها.
وأشار اللحام إلى أن بيانات النقابة سجلت 1327 واقعة ضمن فئة الاحتجاز والمنع من التغطية خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى النصف الأول من عام 2026.
وقال إن هذه الأرقام تأتي إلى جانب وقائع أخرى تشمل قتل الصحفيين، والإصابات، والاعتقالات، والتهديدات، وتدمير المؤسسات الإعلامية والمنازل.
264 صحفيًا وصحفية قتلوا وفق النقابة
ولفت رئيس لجنة الحريات إلى أن الانتهاكات الموثقة لا تنفصل عن حصيلة القتلى من الصحفيين الفلسطينيين، مشيرًا إلى تسجيل 264 شهيدًا وشهيدة، وفق بيانات النقابة.
واعتبر أن استمرار وتكرار هذه الوقائع، وتزامن القتل مع الاحتجاز والمنع والتهديد وتدمير المؤسسات، يجعل القضية، بحسب تعبيره، تتجاوز مفهوم "إجراء أمني عابر".
كما أشار إلى استمرار منع الصحافة الدولية المستقلة من دخول قطاع غزة، معتبرًا أن ذلك يزيد من أهمية الدور الذي يؤديه الصحفيون المحليون في نقل الأحداث وتوثيقها.
مطالبة بتحقيق دولي مستقل
وفي ضوء ما تعتبره النقابة تكرارًا واسع النطاق للانتهاكات، دعا اللحام إلى إجراء تحقيق دولي مستقل ومنهجي في طبيعة هذه السياسة ومشروعيتها وأهدافها.
وترى النقابة أن التحقيق ينبغي ألا يقتصر على دراسة الحوادث الفردية، وإنما يتناول نمط التعامل مع الصحفيين ككل، بما يشمل حالات القتل والاعتقال والاحتجاز والمنع من التغطية والتهديد وتدمير المعدات والمؤسسات الإعلامية.
ويأتي ذلك في سياق أوسع من المخاوف التي تطرحها المؤسسات الصحفية والحقوقية بشأن قدرة الإعلاميين على العمل بحرية وأمان في مناطق النزاع، وعلى وجه الخصوص في قطاع غزة.
أرقام ترسم صورة متصاعدة للاستهداف
وتظهر بيانات نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وفق التقرير، ارتفاعًا في حالات الاحتجاز والمنع من التغطية خلال السنوات الأخيرة، من 314 حالة في 2023 إلى 396 في 2024، ثم 425 في 2025، قبل تسجيل 192 حالة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026.
وبالنسبة للنقابة، فإن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في استمرار تسجيل الانتهاكات عبر سنوات متتالية، وتزامنها مع أشكال أخرى من الاعتداء على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
وتؤكد النقابة أن حماية الصحافة في مناطق النزاع لا تتعلق فقط بحماية العاملين في المهنة، وإنما كذلك بالحفاظ على القدرة على الوصول إلى المعلومات وتوثيق الأحداث ومساءلة الأطراف بشأن ما يجري على الأرض.
ويضع التقرير مسألة سلامة الصحفيين وقدرتهم على أداء عملهم أمام تحديات متواصلة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الوصول إلى مناطق الأحداث، وما تعتبره النقابة نمطًا متكررًا من التضييق على العمل الصحفي.




